تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما كان هذا النهي يتضمن شدة قلب وغلظة لا جرم اعترضه بالأمر بالرفق للمؤمنين بقوله واخفض جناحك للمؤمنين } . وهو اعتراض مراد منه الاحتراس . وهذا كقوله : { أشداء على الكفار رحماء بينهم ( سورة الفتح : 29 ) . |

وخفض الجناح تمثيل للرفق والتواضع بحال الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع حفض جناحه يريد الدنو ، وكذلك يصنع إذا لاعب أنثاه فهو راكن إلى المسالمة والرفق ، أو الذي يتهيأ لحضن فراخه . وفي ضمن هذه التمثيلية استعارة مكنية ، والجناح تخييل . وقد بسطناه في سورة الإسراء في قوله : واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ( سورة الإسراء : 24 ) وقد شاعت هذه التمثيلية حتى صارت كالمثل في التواضع واللين في المعاملة . وضد ذلك رفع الجناح تمثيل للجفاء والشدة . |

ومن شعر العلامة الزمخشري يخاطب من كان متواضعا فظهر منه تكبر ( ذكره في سورة الشعراء ) : |

وأنت الشهير بخفض الجناح |

فلا تك في رفعه أجدلا |

وفي هذه الآية تمهيد لما يجيء بعدها من قوله تعالى : فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ( سورة الحجر : 94 ) . |

وجملة وقل إنى أنا النذير المبين } عطف على جملة ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ . فالمقول لهم هذا القول هم المتحدث عنهم بالضمائر السابقة في قوله تعالى : ﴿ منهم ﴾ وقوله : ﴿ عليهم ﴾ . فالتقدير : وقل لهم لأن هذا القول مراد منه المتاركة ، أي ما علي إلا إنذاركم ، والقرينة هي ذكر النذارة دون البشارة لأن النذارة تناسب المكذبين إذ النذارة هي الإعلام بحدث فيه ضر . |

والنذير : فعيل بمعنى مفعل مثل الحكيم بمعنى المحكم ، وضرب وجيع ، أي موجع . |

والقصر المستفاد من ضمير الفصل ومن تعريف الجزءين قصر قلب ، أي لست كما تحسبون أنكم تغيظونني بعدم إيمانكم فإني نذير مبين غير متقايض معكم لتحصيل إيمانكم . |

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٤ · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٤ · ص ٨٣