تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويحتمل أن تكون لذكر الفعل الثاني وهو ﴿ وأتيناك ﴾ خصوصية لا تفي بها واو العطف وهي مراعاة اختلاف المجرورين بالباء في مناسبة كل منهما للفعل الذي تعلق هو به . فلما كان المتعلق بفعل ﴿ جئناك ﴾ أمرا حسيا وهو العذاب الذي كانوا فيه يمترون ، وكان مما يصح أن يسند إليه المجيء بمعنى كالحقيقي ، إذ هو مجيء مجازي مشهور مساو للحقيقي ، أوثر فعل ﴿ جئناك ﴾ ليسند إلى ضمير المخاطبين ويعلق به ( ما كانوا فيه يمترون ) . وتكون الباء المتعلقة به للتعدية لأنهم أجاءوا العذاب ، فموقع قوله تعالى : ﴿ بما كانوا فيه يمترون ﴾ موقع مفعول به ، كما تقول ( ذهبت به ) بمعنى أذهبته وإن كنت لم تذهب معه ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { فإما نذهبن بك ( سورة الزخرف : 41 ) أي نذهبك من الدنيا ، أي نميتك . فهذه الباء للتعدية وهي بمنزلة همزة التعدية . |

وأما متعلق فعل أتيناك } وهو ﴿ بالحق ﴾ فهو أمر معنوي لا يقع منه الإتيان فلا يتعلق بفعل الإتيان فغيرت مادة المجي إلى مادة الإتيان تنبيها على إرادة معنى غير المراد بالفعل السابق ، أعني المجيء المجازي . فإن هذا الإتيان مسند إلى الملائكة بمعناه الحقيقي ، وكانوا في إتيانهم ملابسين للحق ، أي الصدق ، وليس الصدق مسندا إليه الإتيان . فالباء في قوله تعالى : ﴿ بالحق ﴾ للملابسة لا للتعدية . |

والقطع بكسر القاف وسكون الطاء الجزء الأخير من الليل . وتقدم عند قوله تعالى : { قطعا من الليل مظلما في سورة يونس ( 27 ) . |

وأمروه أن يجعل أهله قدامه ويكون من خلفهم ، فهو يتبع أدبارهم ، أي ظهورهم ليكون كالحائل بينهم وبين العذاب الذي يحل بقومه بعقب خروجه تنويها ببركة الرسول عليه السلام ، ولأنهم أمروه أن لا يلتفت أحد من أهله إلى ديار قومهم لأن العذاب يكون قد نزل بديارهم . فبكونه وراء أهله يخافون الالتفات لأنه يراقبهم . وقد مضى تفصيل ذلك في سورة هود ، وأن امرأته التفتت فأصابها العذاب . |

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٤ · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٤ · ص ٦٤