تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتفضيل في قوله : ﴿ هو أعلم ﴾ تفضيل على علم غيره بذلك . فإنه علم متفاوت بحسب تفاوت العالمين في معرفة الحقائق . |

وفي هذا التفضيل إيماء إلى وجوب طلب كمال العلم بالهدى ، وتمييز الحق من الباطل ، وغوص النظر في ذلك ، وتجنب التسرع في الحكم دون قوة ظن بالحق ، والحذر من تغلب تيارات الأهواء حتى لا تنعكس الحقائق ولا تسير العقول في بنيات الطرائق ، فإن الحق باقق على الزمان والباطل تكذبه الحجة والبرهان . |

والتخلق بهذه الآية هو أن كل من يقوم مقاما من مقامات الرسول صلى الله عليه وسلم في إرشاد المسلمين أو سياستهم يجب عليه أن يكون سالكا للطرائق الثلاث : الحكمة ، والموعظة الحسنة ، والمجادلة بالتي هي أحسن ، وإلا كان منصرفا عن الآداب الإسلامية وغير خليق بما هو فيه من سياسة الأمة ، وأن يخشى أن يعرض مصالح الأمة للتلف ، فإصلاح الأمة يتطلب إبلاغ الحق إليها بهذه الوسائل الثلاث . والمجتمع الإسلامي لا يخلو عن متعنت أو ملبس وكلاهما يلقي في طريق المصلحين شواك الشبه بقصد أو بغير قصد . فسبيل تقويمه هو المجادلة ، فتلك أدنى لإقناعه وكشف قناعه . |

في ( الموطأ ) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في خطبة خطبها في آخر عمره : ( أيها الناس قد سنت لكم السنن ، وفرضت لكم الفرائض ، وتركتم على الواضحة ، إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا ) وضرب بإحدى يديه على الأخرى . ( لعله ضرب بيده اليسرى على يده اليمنى الممسكة السيف أو العصا في حال الخطبة ) . وهذا الضرب علامة على أنه ليس وراء ما ذكر مطلب للناس في حكم لم يسبق له بيان في الشريعة . |

وقدم ذكر علمه ﴿ بمن ضل عن سبيله ﴾ على ذكر علمه ﴿ بالمهتدين ﴾ لأن المقام تعريض بالوعيد للضالين ، ولأن التخلية مقدمة على التحلية ، فالوعيد مقدم على الوعد . |

|

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٤ · الصفحة ٣٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٤ · ص ٣٣٤