ويقولون : أغنى فلان عن فلان ، أي في أجزاه عوضه وقام مقامه ، ويأتون بمنصوب فهو تركيب غريب ، فإن حرف ( عن ) فيه للبدلية وهي المجاوزة المجازية . جعل الشيء البدل عن الشيء مجاوزا له لأنه حل محله في حال غيبته فكأنه جاوزه فسموا هذه المجاوزة بدلية وقالوا : إن ( عن ) تجيء للبدلية كما تجيء لها الباء . فمعنى ما أغني عنكم } لا أجزي عنكم ، أي لا أكفي بدلا عن إجزائكم لأنفسكم . |
و ﴿ من شيء ﴾ نائب مناب شيئا ، وزيدت ﴿ من ﴾ لتوكيد عموم شيء في سياق النفي ، فهو كقوله تعالى : ﴿ لا تغني عني شفاعتهم شيئا ( سورة يس : 23 ) أي من الضر . وجوز صاحب الكشاف في مثله أن يكون شيئا ﴾ مفعولا مطلقا ، أي شيئا من الغناء وهو الظاهر ، فقال في قوله تعالى : ﴿ واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ( سورة البقرة : 48 ) ، قال : أي قليلا من الجزاء ، كقوله تعالى : ولا يظلمون شيئا ﴾ ؛ لكنه جوز أن يكون ﴿ شيئا ﴾ مفعولا به وهو لا يستقيم إلا على معنى التوسع بالحذف والإيصال ، أي بنزع الخافض . |
وجملة ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ في موضع التعليل لمضمون ﴿ وما أغني عنكم من الله من شيء ﴾ . والحكم : هنا بمعنى التصرف والتقدير ، ومعنى الحصر أنه لا يتم إلا ما أراده الله ، كما قال تعالى : ﴿ إن الله بالغ أمره ( سورة الطلاق : 3 ) . وليس للعبد أن ينازع مراد الله في نفس الأمر ولكن واجبه أن يتطلب الأمور من أسبابها لأن الله أمر بذلك ، وقد جمع هذين المعنيين قوله : وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء ﴾ . |
وجملة ﴿ عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ﴾ في موضع البيان لجملة ﴿ وما أغني عنكم من الله من شيء ﴾ ليبين لهم أن وصيته بأخذ الأسباب مع التنبيه على الاعتماد على الله هو معنى التوكل الذي يضل في فهمه كثير من الناس اقتصارا وإنكارا ، ولذلك أتى بجملة ﴿ وعليه فليتوكل المتوكلون ﴾ أمرا لهم