فقوله : ﴿ كماء أنزلناه من السماء ﴾ شبه به ابتداء أطوار الحياة من وقت الصبا إذ ليس ثمة سوى الأمل في نعيم العيش ونضارته ، فذلك الأمل يشبه حال نزول المطر من السماء في كونه سبب ما يؤمل منه من زخرف الأرض ونضارتها . |
وقوله : ﴿ فاختلط به نبات الأرض ﴾ شبه به طور ابتداء نضارة العيش وإقبال زهرة الحياة ، فذلك يشبه خروج الزرع بعيد المطر فيما يشاهد من بوارق المأمول ، ولذلك عطف بفاء التعقيب للإيذان بسرعة ظهور النبات عقب المطر فيؤذن بسرعة نماء الحياة في أول أطوارها . وعبر عنه بالاختلاط بالماء بحيث ظهر قبل جفاف الماء ، أي فاختلط النبات بالماء أي جاوره وقارنه . |
وقوله : ﴿ مما يأكل الناس والأنعام ﴾ وصف لنبات الأرض الذي منه أصناف يأكلها الناس من الخضروات والبقول ، وأصناف تأكلها الأنعام من العشب والكلأ ، وذلك يشبه به ما ينعم به الناس في الحياة من اللذات وما ينعم به الحيوان ، فإن له حظا في نعيم الحياة بمقدار نطاق حياته . |
ولما كان ذلك قد تضمن المأكول والآكل صح أن تشبه به رغبات الناس في تناول لذائذ الحياة على حسب اختلاف مراتب الهمم ، وذلك يتضمن تشبيه معالي الأمور من نعم الدنيا التي تسمو إليها الهمم العوالي بالنبات الذي يقتاته الناس ، وتشبيه سفاسف الأمور بالنبات الذي يأكله الأنعام ، ويتضمن تشبيه الذين يجنحون إلى تلك السفاسف بالأنعام ، كقوله تعالى : ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ ( محمد : 12 ) . |
والقول في ﴿ حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ﴾ كالقول في قوله : ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك ﴾ ( يونس : 22 ) ، وهو غاية شبه بها بلوغ الانتفاع بخيرات الدنيا إلى أقصاه ونضوجه وتمامه وتكاثر أصنافه وانهماك الناس في تناولها ونسيانهم المصير إلى الفناء . |
وأمر الله : تقديره وتكوينه . وإتيانه : إصابة تلك الأرض بالجوائح المعجلة لها باليبس والفناء .