والفتنة اختلال أحوال الناس ، وقد مضى القول فيها عند قوله : ﴿ حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ﴾ ( البقرة : 102 ) وقوله { والفتنة أشد من القتل في سورة البقرة ( 191 ) ، وقد تقدم القول فيها آنفا في هذه السورة . |
والفتنة تحصل من مخالطة المسلمين مع المشركين ، لأن الناس كانوا قريبي عهد بالإسلام ، وكانت لهم مع المشركين أواصر قرابة وولاء ومودة ومصاهرة ومخالطة ، وقد كان إسلام من أسلم مثيرا لحنق المشركين عليه ، فإذا لم ينقطع المسلمون عن موالاة المشركين يخشى على ضعفاء النفوس من المسلمين أن تجذبهم تلك الأواصر وتفتنهم قوة المشركين وعزتهم ، ويقذف بها الشيطان في نفوسهم ، فيحنوا إلى المشركين ويعودوا إلى الكفر . فكان إيجاب مقاطعتهم ؛ لقصد قطع نفوسهم عن تذكر تلك الصلات ، وإنسائهم تلك الأحوال ، بحيث لا يشاهدون إلا حال جماعة المسلمين ، ولا يشتغلوا إلا بما يقويها ، وليكونوا في مزاولتهم أمور الإسلام عن تفرغ بال من تحسر أو تعطف على المشركين ، فإن الوسائل قد يسري بعضها إلى بعض ، فتفضي وسائل الرأفة والقرابة إلى وسائل الموافقة في الرأي ، فلذا كان هذا حسما لوسائل الفتنة . |
والتعريف في الأرض } للعهد والمراد أرض المسلمين . |
و ( الفساد ) ضد الصلاح ، وقد مضى عند قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها في سورة البقرة ( 30 ) . |
والكبير حقيقته العظيم الجسم . وهو هنا مستعار للشديد القوي من نوعه مثل قوله تعالى : كبرت كلمة تخرج من أفواههم } ( الكهف : 5 ) . |
والمراد بالفساد هنا : ضد صلاح اجتماع الكلمة ، فإن المسلمين إذا لم يظهروا يدا واحدة على أهل الكفر لم تظهر شوكتهم ، ولأنه قد يحدث بينهم الاختلاف من جراء اختلافهم في مقدار مواصلتهم للمشركين ، ويرمي بعضهم بعضا بالكفر أو النفاق ، وذلك يفضي إلى تفرق جماعتهم ، وهذا فساد كبير ، ولأن المقصود إيجاد الجامعة الإسلامية ، وإنما يظهر كمالها بالتفاف أهلها التفافا واحدا ، وتجنب ما يضادها ، فإذا لم يقع ذلك ضعف شأن جامعتهم في المرأى وفي القوة . وذلك فساد كبير . |
|