تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذا الخبر كفالة للمسلمين بنصر العدد منهم على عشرة أمثاله ، من عددهم وهو يستلزم وجوب ثبات العدد منهم ، لعشرة أمثاله ، وبذلك يفيد إطلاق الأمر بالثبات للعدو الواقع في قوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ﴾ ( الأنفال : 45 ) ، وإطلاق النهي عن الفرار الواقع في قوله : ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ ( الأنفال : 15 ) الآية كما تقدم . وهو من هذه الناحية التشريعية حكم شديد شاق اقتضته قلة عدد المسلمين يومئذ وكثرة عدد المشركين ، ولم يصل إلينا أن المسلمين احتاجوا إلى العمل به في بعض غزواتهم ، وقصارى ما علمنا أنهم ثبتوا لثلاثة أمثالهم في وقعة بدر ، فقد كان المسلمون زهاء ثلاثمائة وكان المشركون زهاء الألف ، ثم نزل التخفيف من بعد ذلك بالآية التالية . |

والتعريف بالموصول في ﴿ الذين كفروا ﴾ للإيماء إلى وجه بناء الخير الآتي : وهو سلب الفقاهة عنهم . |

والباء في قوله : ﴿ بأنهم ﴾ للسببية . أي بعدم فقههم . وإجراء نفي الفقاهة صفة ل ﴿ قوم ﴾ دون أن يجعل خبرا فيقال : ذلك بأنهم لا يفقهون ، لقصد إفادة أن عدم الفقاهة صفة ثابتة لهم بما هم قوم ، لئلا يتوهم أن نفي الفقاهة عنهم في خصوص هذا الشأن ، وهو شأن الحرب المتحدث عنه ، للفرق بين قولك : حدثت فلانا حديثا فوجدته لا يفقه ، وبين قولك : فوجدته رجلا لا يفقه . |

والفقه فهم الأمور الخفية ، والمراد نفي الفقه عنهم من جانب معرفة الله تعالى بقرينة تعليق الحكم بهم بعد إجراء صلة الكفر عليهم . |

وإنما جعل الله الكفر سببا في انتفاء الفقاهة عنهم : لأن الكفر من شأنه إنكار ما ليس بمحسوس فصاحبه ينشأ على إهمال النظر ، وعلى تعطيل حركات فكره ، فهم لا يؤمنون إلا بالأسباب الظاهرية ، فيحسبون أن كثرتهم توجب لهم النصر على الأقلين لقولهم : ( إنما الغرة للكاثر ) ، ولأنهم لا يؤمنون بما بعد الموت من نعيم وعذاب ، فهم يخشون الموت فإذا قاتلوا ما يقاتلون إلا في الحالة التي يكون نصرهم فيها أرجح ، والمؤمنون يعولون على نصر الله ، ويثبتون للعدو رجاء إعلاء كلمة الله ، ولا يهابون الموت في سبيل الله ، لأنهم موقنون بالحياة الأبدية المسرة بعد الموت . |

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٠ · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٠ · ص ٦٨