و ﴿ صابرون ﴾ ثابتون في القتال ، لأن الثبات على الالآم صبر ، لأن أصل الصبر تحمل المشاق ، والثبات منه ، قال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ﴾ وفي الحديث : ( لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لاقيتم فاصبروا ) . وقال النابغة : |
تجنب بني حن فإن لقاءهم |
كريه وإن لم تلق إلا بصابر |
وقال زفر بن الحارث الكلابي : |
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها |
ولكنهم كانوا على الموت أصبرا |
والمعنى : عرفوا بالصبر والمقدرة عليه ، وذلك باستيفاء ما يقتضيه من أحوال الجسد وأحوال النفس ، وفيه إيماء إلى توخي انتقاء الجيش ، فيكون قيدا للتحريض ، أي : حرض المؤمنين الصابرين الذين لا يتزلزلون ، فالمقصود أن لا يكون فيهم من هو ضعيف النفس فيفشل الجيش ، كقول طالوت ﴿ إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني ﴾ ( البقرة : 249 ) . |
وذكر في جانب جيش المسلمين في المرتين عدد العشرين وعدد المائة ، وفي جانب جيش المشركين عدد المائتين وعدد الألف ، إيماء إلى قلة جيش المسلمين في ذاته ، مع الإيماء إلى أن ثباتهم لا يختلف باختلاف حالة عددهم في أنفسهم ، فإن العادة أن زيادة عدد الجيش تقوي نفوس أهله ، ولو مع كون نسبة عددهم من عدد عدوهم غير مختلفة ، فجعل الله الإيمان قوة لنفوس المسلمين تدفع عنهم وهن استشعار قلة عدد جيشهم في ذاته . |
أما اختيار لفظ العشرين للتعبير عن مرتبة العشرات دون لفظ العشرة : فلعل وجهه أن لفظ العشرين أسعد بتقابل السكنات في أواخر الكلم لأن للفظه مائتين من المناسبة بسكنات كلمات الفواصل من السورة ، ولذلك ذكر المائة مع الألف ، لأن بعدها ذكر مميز العدد بألفاظ تناسب سكنات الفاصلة ، وهو قوله : ﴿ لا يفقهون ﴾ فتعين هذا اللفظ قضاء لحق الفصاحة . |