واعلم أن ضمير جمع الغائبين في قوله : ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ وقع في هذه الآية عقب ذكر طوائف في الآيات قبلها ، منهم مشركون في قوله تعالى : ﴿ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ ( الأنفال : 48 ) ، ومنهم من قيل : إنهم من أهل الكتاب ، ومنهم من ترددت فيهم أقوال المفسرين : قيل : هم من أهل الكتاب ، وقيل : هم من المشركين ، وذلك قوله : ﴿ إن شر الدوآب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ﴾ ( الأنفال : 55 ، 56 ) الآية . قيل : هم قريظة والنضير وبنو قينقاع ، وقيل : هم من المشركين ، فاحتمل أن يكون ضمير ﴿ جنحوا ﴾ عائدا إلى المشركين . أو عائدا إلى أهل الكتاب ، أو عائدا إلى الفريقين كليهما . |
فقيل : عاد ضمير الغيبة في قوله : ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ إلى المشركين ، قاله قتادة ، وعكرمة ، والحسن ، وجابر بن زيد ، ورواه عطاء عن ابن عباس ، وقيل : عاد إلى أهل الكتاب ، قاله مجاهد . |
فالذين قالوا : إن الضمير عائد إلى المشركين ، قالوا : كان هذا في أول الأمر حين قلة المسلمين ، ثم نسخ بآية سورة براءة ( 5 ) { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم الآية . ومن قالوا الضمير عائد إلى أهل الكتاب قالوا هذا حكم باق ، والجنوح إلى السلم إما بإعطاء الجزية أو بالموادعة . |
والوجه أن يعود الضمير إلى صنفي الكفار : من مشركين وأهل الكتاب ، إذ وقع قبله ذكر الذين كفروا في قوله : إن شر الدواب عند الله الذين كفروا } ( الأنفال : 55 ) فالمشركون من العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام بعد نزول آية براءة ، فهي مخصصة العموم الذي في ضمير ﴿ جنحوا ﴾ أو مبينة إجماله ، وليست من النسخ في شيء . قال أبو بكر بن العربي : ( أما من قال إنها منسوخة بقوله : ﴿ فاقتلوا المشركين ﴾ ( التوبة : 5 ) فدعوى ، فإن شروط النسخ معدومة فيها كما بيناه في موضعه ) . |
وهؤلاء قد انقضى أمرهم . وأما المشركون من غيرهم ، والمجوس ، وأهل الكتاب ، فيجري أمر المهادنة معهم على حسب حال قوة المسلمين ومصالحهم وأن الجمع بين الآيتين أولى : فإن دعوا إلى السلم قبل منهم ، إذا كان فيه مصلحة للمسلمين . قال ابن العربي : فإذا كان المسلمون في قوة ومنعة وعدة : |
فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقنا |
وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم |