تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمعنى ﴿ وإن جنحوا للسلم ﴾ إن مالوا إلى السلم ميل القاصد إليه ، كما يميل الطائر الجانح . وإنما لم يقل : وإن طلبوا السلم فأجبهم إليهم ، للتنبيه على أنه لا يسعفهم إلى السلم حتى يعلم أن حالهم حال الراغب ، لأنهم قد يظهرون الميل إلى السلم كيدا ، فهذا مقابل قوله : ﴿ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ﴾ ( الأنفال : 58 ) فإن نبذ العهد نبذ لحال السلم . |

واللام في قوله : ﴿ للسلم ﴾ واقعة موقع ( إلى ) لتقوية التنبيه على أن ميلهم إلى السلم ميل حق ، أي : وإن مالوا لأجل السلم ورغبة فيه لا لغرض آخر غيره ، لأن حق ﴿ جنح ﴾ أن يعدى ب ( إلى ) لأنه بمعنى مال الذي يعدى بإلى فلا تكون تعديته باللام إلا لغرض ، وفي ( الكشاف ) : أنه يقال جنح له وإليه . |

والسلم بفتح السين وكسرها ضد الحرب . وقرأه الجمهور بالفتح ، وقرأه حمزة ، وأبو بكر عن عاصم ، وخلف بكسر السين وحق لفظه التذكير ، ولكنه يؤنث حملا على ضده الحرب وقد ورد مؤنثا في كلامهم كثيرا . |

والأمر بالتوكل على الله ، بعد الأمر بالجنوح إلى السلم ، ليكون النبي صلى الله عليه وسلم معتمدا في جميع شأنه على الله تعالى ، ومفوضا إليه تسيير أموره ، لتكون مدة السلم مدة تقو واستعداد ، وليكفيه الله شر عدوه إذا نقضوا العهد ، ولذلك عقب الأمر بالتوكل بتذكيره بأن الله السميع العليم ، أي السميع لكلامهم في العهد ، العليم بضمائرهم ، فهو يعاملهم على ما يعلم منهم . وقوله : ﴿ فاجنح لها ﴾ جيء بفعل ﴿ اجنح ﴾ لمشاكلة قوله ﴿ جنحوا . . . ﴾ . |

وطريق القصر في قوله : ﴿ هو السميع العليم ﴾ أفاد قصر معنى الكمال في السمع والعلم ، أي : فهو سميع منهم ما لا تسمع ويعلم ما لا تعلم . وقصر هذين الوصفين بهذا المعنى على الله تعالى عقب الأمر بالتوكل عليه يفضي إلى الأمر بقصر التوكل عليه لا على غيره . وفي الجمع بين الأمر بقصر التوكل عليه وبين الأمر بإعداد ما استطاع من القوة للعدو : دليل بين على أن التوكل أمر غير تعاطي أسباب الأشياء ، فتعاطي الأسباب فيما هي من مقدور الناس ، والتوكل فيما يخرج عن ذلك . |

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٠ · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٠ · ص ٥٩