وقوله : ﴿ كالذي خاضوا ﴾ تشبيه لخوض المنافقين بخوض أولئك وهو الخوض الذي حكي عنهم في قوله : ﴿ ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ﴾ ( التوبة : 65 ) ولبساطة هذا التشبيه لم يؤت فيه بمثل الأسلوب الذي أتي به في التشبيه السابق له . أي : وخضتم في الكفر والاستهزاء بآيات الله ورسوله كالخوض الذي خاضوه في ذلك ، فأنتم وهم سواء ، فيوشك أن يحيق بكم ما حاق بهم ، وكلامنا في هذين التشبيهين أدق ما كتب فيهما . |
و ﴿ الذي ﴾ اسم موصول ، مفرد ، وإذ كان عائد الصلة هنا ضمير جمع تعين أن يكون المراد ب ﴿ الذي ﴾ : تأويله بالفريق أو الجمع ، ويجوز أن يكون ﴿ الذي ﴾ هنا أصله الذين فخفف بحذف النون على لغة هذيل وتميم كقول الأشهب بن زميلة النهشلي : |
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم |
هم القوم كل القومم يا أم خالد |
ونحاة البصرة يرون هذا الاستعمال خاصا بحالة أن تطول الصلة كالبيت فلا ينطبق عندهم على الآية ، ونحاة الكوفة يجوزونه ولو لم تطل الصلة ، كما في الآية ، وقد ادعى الفراء : أن ﴿ الذي ﴾ يكون موصولا حرفيا مؤولا بالمصدر ، واستشهد له بهذه الآية ، وهو ضعيف . |
ولما وصفت حالة المشبه بهم من الأمم البائدة أعقب ذلك بالإشارة إليهم للتنبيه على أنهم بسبب ذلك كانوا جديرين بما سيخبر به عنهم ، فقال تعالى : ﴿ أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ﴾ وفيه تعريض بأن الذين شابهوهم في أحوالهم أحرياء بأن يحل بهم ما حل بأولئك ، وفي هذا التعريض من التهديد والنذارة معنى عظيم . |
والخوض : تقدمت الحوالة على معرفته آنفا . |
والحبط : الزوال والبطلان ، وتقدم في قوله تعالى : { فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة في سورة البقرة ( 217 ) . |
والمراد بأعمالهم : ما كانوا يعملونه ويكدحون فيه : من معالجة الأموال والعيال والانكباب عليهما ، ومعنى حبطها في الدنيا استئصالها وإتلافها بحلول مختلف العذاب