وليس المراد أن ذلك يوما غب يوم ، فكذلك في الآية ليس المراد أن النسيء يقع عاما غب عام كما ظنه بعض المفسرين . ونظيره قول أبي الطيب : |
فيوما بخيل تطرد الروم عنهم |
ويوما بجود تطرد الفقر والجدبا |
( يريد تارة تدفع عنهم العدو وتارة تدفع عنهم الفقر والجدب ) وإنما يكون ذلك حين حلول العدو بهم وإصابة الفقر والجدب بلادهم ، ولذلك فسره المعري في كتاب ( معجز أحمد ) بأن قال : ( فإن قصدهم الروم طردتهم بخيلك وإن نازلهم فقر وجدب كشفته عنهم بجودك وإفضالك ) . |
وقد أبقي الكلام مجملا لعدم تعلق الغرض في هذا المقام ببيان كيفية عمل النسيء ، ولعل لهم فيه كيفيات مختلفة هي معروفة عند السامعين . |
ومحل الذم هو ما يحصل في عمل النسيء من تغيير أوقات الحج المعينة من الله في غير أيامها في سنين كثيرة ، ومن تغيير حرمة بعض الأشهر الحرم في سنين كثيرة ويتعلق قوله : ﴿ ليواطئوا عدة ما حرم الله ﴾ بقوله : ﴿ يحلونه عاما ويحرمونه عاما ﴾ أي يفعلون ذلك ليوافقوا عدد الأشهر الحرم فتبقى أربعة . |
والموطأة الموافقة ، وهي مفاعلة عن الوطىء شبه التماثل في المقدار وفي الفعل بالتوافق ( في ) وطيء الأرجل ومن هذا قولهم ( وقوع الحافر على الحافر ) . |
و ﴿ عدة ما حرم الله ﴾ هي عدة الأشهر الحرم الأربعة . |
وظاهر هذا أنه تأويل عنهم وضرب من المعذرة ، فلا يناسب عده في سياق التشنيع بعملهم والتوبيخ لهم ، ولكن ذكره ليرتب عليه قوله : ﴿ فيحلوا ما حرم الله ﴾ فإنه يتفرع على محاولتهم موافقة عدة ما حرم الله أن يحلوا ما حرم الله ، وهذا نداء على فساد دينهم واضطرابه فإنهم يحتفظون بعدد الأشهر الحرم الذي ليس له مزيد أثر في الدين ، وإنما هو عدد تابع لتعيين الأشهر الحرم ، ويفرطون في نفس الحرمة فيحلون الشهر الحرام ، ثم يزيدون باطلا آخر فيحرمون الشهر الحلال . فقد احتفظوا بالعدد وأفسدوا المعدود . |