عندهم ، إن أرادوا ذلك وذلك واسع عليهم ، فلما أراد الله أن يجعل للناس عبادات ومواسم وأعيادا دورية تكون مرة في كل سنة ، أمرهم أن يجعلوا العبادة في الوقت المماثل لوقت أختها ففرض على إبراهيم وبنيه حج البيت كل سنة في الشهر الثاني عشر ، وجعل لهم زمنا محترما بينهم يأمنون فيه على نفوسهم وأموالهم ويستطيعون فيه السفر البعيد وهي الأشهر الحرم ، فلما حصل ذلك كله بمجموع تكوين الله تعالى للكواكب ، وإيداعه الإلهام بالتفطن لحكمتها ، والتمكن من ضبط مطرد أحوالها ، وتعيينه ما عين من العبادات والأعمال بمواقيتها ، كان ذلك كله مرادا عنده فلذلك قال : ﴿ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض ﴾ . |
فمعنى قوله : ﴿ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ﴾ : أنها كذلك في النظام الذي وضع عليه هذه الأرض التي جعلها مقر البشر باعتبار تمايز كل واحد فيها عن الآخر ، فإذا تجاوزت الاثني عشر صار ما زاد على الاثني عشر مماثلا لنظير له في وقت حلوله فاعتبر شيئا مكررا . |
و ﴿ عند الله ﴾ معناه في حكمه وتقديره ، فالعندية مجاز في الاعتبار والاعتداد ، وهو ظرف معمول ل ﴿ عدة ﴾ أو حال من ﴿ عدة ﴾ و ﴿ في كتاب الله ﴾ صفة ل ﴿ اثنا عشر شهرا ﴾ . |
ومعنى ﴿ في كتاب الله ﴾ في تقديره ، وهو التقدير الذي به وجدت المقدورات ، أعني تعلق القدرة بها تعلقا تنجيزيا كقوله : ﴿ كتابا مؤجلا ﴾ ( آل عمران : 145 ) أي قدرا محددا ، فكتاب هنا مصدر . |
بيان ذلك أنه لما خلق القمر على ذلك النظام أراد من حكمته أن يكون طريقا لحساب الزمان كما قال : ﴿ وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ﴾ ( يونس : 5 ) ولذلك قال هنا ﴿ يوم خلق السماوات والأرض ﴾ ف ﴿ يوم ﴾ ظرف ل ﴿ كتاب الله ﴾ بمعنى التقدير الخاص ، فإنه لما خلق السماوات والأرض كان مما خلق هذا النظام المنتسب بين القمر والأرض . |
ولهذا الوجه ذكرت الأرض مع السماوات دون الاقتصار على السماوات ، لأن تلك الظواهر التي للقمر ، وكان بها القمر مجزءا أجزاء ، منذ كونه هلالا ، إلى ربعه الأول ، إلى البدر ، إلى الربع الثالث ، إلى المحاق ، وهي مقادير الأسابيع ، إنما هي