والآن فرحت اليهود بصفة خاصة بعد أن سمعوا بمقدم نبي إسماعيلي إلى المدينة، ولكن حين رأوا أنه يصدق المسيح عليه السلام، ويصدق تعاليمه، ويجعل الإيمان بالمسيح عليه السلام جزءا لا يتجزأ للإيمان بالإسلام ويخطئ اليهود بتمجيده إياه (¬1). عندئذ صار اليهود كلهم أعداء لنبينا - صلى الله عليه وسلم -.
AUTO نصارى المدينة والنبي الموعود
:
منذ أن بشر عيسى المسيح عبد الله المختار في آخر موعظة له بمجيء نبي آخر يبقى مع الدنيا دائما، ويعلم الدنيا كل شيء، وأوصى النصارى باتباعه، منذ ذلك الوقت والنصارى في انتظار هذا النبي، الذي سيقتص لهم من اليهود، ويمنح النصارى الجلال والعظمة، ويظهر صدق المسيح، ولكن حين رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يرد على النصارى القضايا التي اصطنعوها (¬2).
:
= "يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلي"
ووردت عبارات أوضح في نفس الاصحاح (18، 19)
"أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه".
ويستدل المسلمون - بالنظر إلى هذه الآيات - على ما يلي:
أ - أن بني إسماعيل أخوة لبني إسرائيل (انظر سفر التكوين الاصحاح 16 - 12 و25 - 18)
ب - لم يكن في بني إسرائيل نبي مثل موسى (سفر التثنية باب 34: 10)
ومن هنا يتضح أن هذه النبوءة خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد ورد في وصفه - صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى يجعل كلامه في فمه، وهذه صفة خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه لا يوجد غير القرآن الكريم كتابا حفظت فيه آيات "كلام الله" أو وصل وحيه لفظا ومعنى، فاليهود والنصارى يقرون ولا ينكرون أنه لا يحفظ في التوراة من كلام الله سوى الوصايا العشر، وفي صحف الأنبياء الآخرين من غير موسى وبخاصة في الإنجيل، لم تحفظ كلمات الله التي نزلت بالوحي السماوي.
وبعد هذا الرأي القاطع يبقى موسى عليه السلام من بين الأنبياء كلهم الذي يتماثل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يتعلق بالكلام، وبينهما مماثلة قوية في عدة أمور منها أنهما صاحبا هجرة، وصاحبا شريعة وصاحبا جهاد، وكلاهما أوحى إليه في بداية الحادية والأربعين، وهذه الأمور لم توجد مجتمعة بعد موسى في نبي من أنبياء بني إسرائيل، ولكنها توجد في نبينا - صلى الله عليه وسلم -، ولكن ينبغي أن نفكر جيدا ونتدبر في هذه المماثلة التي أوضحها سفر التثنية، وصدقها القرآن الكريم بقوله: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾
وانظروا في جميع أسفار العهد القديم والعهد الجديد، فسنجد أن أي كتاب لم يشر إلى هذه النبوءة أي الصفة ولم يستدل بها سوى القرآن الكريم، ولا شك أن هذه الصفة خاصة خصوصية كاملة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ويجب أن نتذكر أن كلمة "من وسطك" التي وردت في التثنية (الاصحاح 18: 15) هي كلمة ملحقة على النص وليست بأصل فيه وهناك ثلاثة دلائل على ذلك:
الأول: أن هذه الكلمة لا توجد في التوراة اليونانية.
والثاني: أن نفس الاصحاح (18: 19) أعاد هذا التنبؤ بكامله دون ذكر هذه الكلمة.
والثالث: أن لوقا ذكر هذه الآية في أعمال الرسل الاصحاح الثالث (آية 22، 23) [[ص:194] ط العربية، ولم يذكر فيها كلمة "من وسطك"] [وقد وردت هكذا ... فإن موسى قال للآباء إن نبيا مثل سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون في كل ما يكلمكم به].