وما زال أصحابي يحدثونني عن البدع الكفرية التي ابتدعها هذا الرجل حتى وجدتني أمام رجل خطير مراوغ، يتلاعب بدين الله كما يحلو له، ولا يبالي بمخالفة صريح مدلول القرآن وصحيح السنة، وإجماع الأمة.
عندما وجدت متسعاً من الوقت عكفت على دراسة الملفات التي قدمها لي الإخوة الغيورون على دينهم، والملفات التي نملكها في محفوظات المركز، فوجدت أموراً لا يجوز لي السكوت عنها، وهذا هو الوقت المناسب - فيما أرى - للحديث عن فكر الرجل وعقيدته، وسيعلم القارئ الكريم بعد أن يفرغ من قراءة هذه الحلقات أنني لا أكتب انتصاراً للتلامذة على شيخهم، ولا أبغي الانتقاص من قدر الشيخ بسبب قضايا قابلة للاجتهاد في المفهوم الشرعي، وليس العلماني الذي يريده الترابي ومن نحا نحوه من المتنورين.
هذا، وقد عرضت في هذه الحلقة والتي تليها أهم أفكار الرجل، وأعرضت عن ذكر بعضها بسبب ضيق المجال، إلا أن الذي عرضته يكفي للحكم عليه، ثم علقت على كل واحدة منها متوخياً الاختصار، ومن الجدير ذكره أنني ما ذكرت قولاً من أقواله إلا وذكرت المصدر الذي اعتمدت عليه.
أولاً: إنكاره لحد الردة:
ينكر الترابي حد الردة، ويرى أن من حق أي مواطن في دولة الإسلام تغيير دينه إذا اقتنع بغيره، يقول في مقابلة له مع جريدة المحرر [العدد: 263، آب 1994]:
"نريد الحوار مع الغرب، لا نريد حرباً معه، نريد أن نحتكم معاً إلى ديموقراطية عالمية، أما في بلدي، فالأولى بي وأنا أدعو للحوار في مواجهة الآخر، أن أتحاور مع كل من حولي، مسلماً كان أم غير مسلم، وعربياً كان أم غير عربي، أتحاور معه وأترك له حرية أن يقول ما يشاء، ويسود بنتيجة الحوار هذا الرأي أو ذاك، وأزيد على كل هذا رأياً هو رأيي الشخصي:
حتى إذا ارتد المسلم تماماً وخرج من الإسلام ويريد أن يبقى حيث هو، فليبق حيث هو. لا إكراه في الدين .. لا إكراه في الدين .. وأنا لا أقول إنه ارتد أو لم يرتد فله حريته في أن يقول ما يشاء، شريطة أن لا يفسد ما هو مشترك بيننا من نظام".
ويقول أيضاً:
"وأود أن أقول: إنه في إطار الدولة الواحدة والعهد الواحد يجوز للمسلم كما يجوز للمسيحي أن يبدل دينه .. أما الردة الفكرية البحتة التي لا تستصحب ثورة على الجماعة ولا انضماماً إلى الصف الذي يقاتل الجماعة كما كان يحدث عندما ورد الحديث المشهور عن الرسول r، فليس بذلك بأس يذكر، ولقد كان الناس يؤمنون ويكفرون، ثم يؤمنون ويكفرون، ولم يطبق عليهم الرسول r حد الردة".
وفي مقابلة له مع صحيفة "المستقلة" قال:
"إذا كان الله سبحانه وتعالى وهب الإنسان الحرية [من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر]، ولو شاء الله لطبعنا تماماً على الإيمان كالجماد، كالحجر، كالسموات والأرض والجبال اللائي أشفقن من حمل أمانة الحرية، أشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً، فما دام الله قد حمّل الإنسان أمانة الحرية يصبح الأمر بديهة من بديهيات الدين، تشهد بها آيات القرآن [لا إكراه في الدين] وحتى في أيام الرسول r تحدث القرآن الكريم عن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا .. كان الناس يرتدون ويعودون ويخرجون وهكذا.