- قتل عثمان (1) يوم الجمعة 8 من ذي الحجة سنة 35 ه.
قال ابن عديس لأصحابه: لا تتركوا أحدا يدخل على عثمان ولا يخرج من عنده. وأصر المصريون على قتله. وقصدوا الباب فمنعهم الحسن، وابن الزبير، ومحمد بن طلحة، ومروان، وسعيد بن العاص، ومن معهم من أبناء الصحابة. واجتلدوا (2) ، فزجرهم عثمان وقال: أنتم في حل من نصرتي، فأبوا، ففتح الباب لمنعهم. فلما خرج ورآه المصريون رجعوا فركبهم هؤلاء، وأقسم عثمان على أصحابه ليدخلن، فدخلوا، فأغلق الباب دون المصريين.
فقام رجل من أسلم يقال له نيار بن عياض وكان من الصحابة، فنادى عثمان، فبينا هو يناشده أن يعتزلهم إذ رماه كثير بن الصلب الكندي بسهم فقتله. فقالوا لعثمان عند ذلك: ادفع إلينا قاتله لنقتله به. قال: لم أكن لأقتل رجلا نصرني وأنتم تريدون قتلي. فلما رأوا ذلك ثاروا إلى الباب، فلم يمنعهم أحد منه، والباب مغلق، لا يقدرون على الدخول منه، فجاءوا بنار، فأحرقوه. وثار أهل الدار وعثمان يصلي قد افتتح ﴿طه﴾ ، فما شغله ما سمع ما يخطئ وما يتتعتع حتى أتى عليها. فلما فرغ جلس إلى المصحف يقرأ فيه وقرأ: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [آل عمران: 173] فقال لمن عنده بالدار: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه. ولم يحرقوا الباب إلا وهم يطلبون ما هو أعظم منه.
اقتحم الناس الدار من الدورة التي حولها حتى ملؤوها ولا يشعر الذين بالباب ممن وقفوا
للدفاع. وأقبلت القبائل على أبنائهم فذهبوا بهم إذ غلبوا على أميرهم وندبوا رجلا لقتله، فانتدب له رجل فدخل عليه البيت فقال: "اخلعها وندعك".
فقال: "ويحك، والله ما كشفت امرأة في جاهلية ولا إسلام، ولا تغنيت ولا تمنيت ولا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولست خالعا قميصا كسانيه الله عز وجل، وأنا على مكاني حتى يكرم الله أهل السعادة ويهين أهل الشقاء".
فخرج وقالوا: ما صنعت؟ فقال: علقنا والله، والله ما ينجينا من الناس إلا قتله، وما يحل لنا قتله.
فأدخلوا عليه رجلا من بني ليث. فقال: ممن الرجل؟ فقال: ليثي. فقال: لست بصاحبي. قال: وكيف؟ فقال: ألست الذي دعا لك النبي صلى الله عليه وسلم في نفر أن تحفظوا يوم كذا وكذا؟ قال: بلى. قال: فلن تضيع، فرجع وفارق القوم.
فأدخلوا عليه رجلا من قريش، فقال: يا عثمان إني قاتلك؟. قال: كلا يا فلان لا تقتلني. قال: وكيف؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لك يوم كذا وكذا، فلن تقارف دما حراما. فاستغفر ورجع وفارق أصحابه.
فأقبل عبد الله بن سلام (3) حتى قام على الباب ينهاهم عن قتله وقال:
"يا قوم، لا تسلوا سيف الله بينكم. فوالله إن سللتموه لا تغمدوه، ويلكم إن سلطانكم اليوم يقوم بالدرة، فإن قتلتموه لا يقوم إلا بالسيف. ويلكم إن مدينتكم محفوفة بملائكة الله. والله لئن قتلتموه لتتركنها" (4) .
فقالوا: يا ابن اليهودية، وما أنت وهذا فرجع عنهم.
وروي عن عبد الله بن عمير عن ابن أخي عبد الله بن سلام قال:
لما أريد قتل عثمان رضي الله عنه جاء عبد الله بن سلام فقال له عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرك. قال: اخرج إلى الناس فاطردهم عني فإنك خارج خير إلي منك داخل. فخرج عبد الله إلى الناس فقال:
"أيها الناس، إنه كان اسمي في الجاهلية فلانا، فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، ونزلت في
آيات من كتاب الله عز وجل. ونزل في: ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم﴾ [الأحقاف: 10] ونزل في: ﴿قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ [الرعد: 43] . إن لله سيفا مغمودا، وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالله الله في هذا الرجل إن تقتلوه لتطردن جيرانكم الملائكة، وليسلن سيف الله المغمود فيكم، فلا يغمد إلى يوم القيامة، قالوا: اقتلوا اليهودي.
فانظر الفرق الشاسع بين عبد الله بن سلام الذي تطوع للدفاع عن عثمان وبين عبد الله بن سبأ الذي كان يحرض الناس على قتله. فإن كليهما كان يهوديا وأسلم.
وكان آخر من دخل عليه ممن رجع إلى القوم محمد بن أبي بكر. فقال له عثمان:
"ويلك على الله تغضب؟ هل لي إليك جرم إلا حق أخذته منك؟ ورجع.
فلما خرج محمد بن أبي بكر وعرفوا انكساره، ثار قتيرة وسودان بن حمران والغافقي لعنهم الله فضربه الغافقي بحديدة معه، وضرب المصحف برجله، فاستدار المصحف فاستقر بين يديه، وسالت عليه الدماء. وجاء سودان بن حمران ليضربه، فانكبت عليه زوجة عثمان نائلة، واتقت السيف بيدها، فتغمدها ونفح أصابعها. فأطن أصابع يدها، فغمز أوراكها، وقال: إنها لكبيرة العجيزة. وضرب عثمان فقتله، ودخل غلمة لعثمان مع القوم لينصروه، وقد كان عثمان أعتق من كف منهم، فلما رأوا سودان قد ضربه أهوى له بعضهم، فضرب عنقه، فقتله، ووثب قتيرة على الغلام فقتله، وانتهبوا ما في البيت، وأخرجوا من فيه، ثم أغلقوه على ثلاثة قتلى (5) .
فلما خرجوا إلى الدار وثب غلام لعثمان آخر على قتيرة فقتله، ودار القوم فأخذوا ما وجدوا حتى تناولوا ما على النساء، وأخذ رجل ملاءة نائلة، والرجل يدعى كلثوم بن تجيب، فتنحت نائلة. فقال: ويح أمك من عجيزة ما أتمك، وبصر به غلام لعثمان فقتله، وقتل، وتنادى القوم أبصر رجل من صاحبه وتنادوا في الدار: أدركوا بيت المال لا تسبقوا إليه، وسمع أصحاب بيت المال أصواتهم، وليس فيه إلا غرارتان. فقالوا: النجاء، فإن القوم إنما يحاولون الدنيا، فهربوا، وأتوا بيت المال، فانتهبوه، وماج الناس فيه، فالتانئ يسترجع ويبكي، والطارئ يفرح، وندم القوم.
وكان الزبير قد خرج من المدينة، فأقام على طريق مكة لئلا يشهد مقتله. فلما أتاه الخبر بمقتل عثمان وهو بحيث هو قال:
"إنا لله وإنا إليه راجعون، رحم الله عثمان وانتصر له". وأتى الخبر طلحة فقال: "رحم الله عثمان وانتصر له وللإسلام". وقيل له: إن القوم نادمون. فقال: تبا لهم، وقرأ: ﴿فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون﴾ [يس: 50]
وأتي علي فقيل: قتل عثمان فقال: "رحم الله عثمان وخلف علينا بخير". وقيل: ندم القوم فقرأ: {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر
....
} [الحشر: 16] . الآية.
وطلب سعد فإذا هو في حائطه وقد قال: لا أشهد قتله. فلما جاء قتله، قال: فررنا من المدينة فدنينا وقرأ: ﴿الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ [الكهف: 104] ، اللهم أندمهم ثم خذهم (6) .
وفي رواية أخرى (7) :
إن محمد بن أبي بكر تسور على عثمان من دار عمرو بن حزم، ومعه كنانة بن بشر بن عتاب، وسودان بن حمران، وعمرو بن الحمق، فوجدوا عثمان عند امرأته نائلة، وهو يقرأ في المصحف ﴿سورة البقرة﴾ فتقدمهم محمد بن أبي بكر، فأخذ بلحية عثمان فقال:
قد أخزاك الله يا نعثل (8) .
فقال عثمان: لست بنعثل، ولكن عبد الله وأمير المؤمنين. فقال محمد: ما أغنى عنك معاوية وفلان وفلان. فقال عثمان: يا ابن أخي دع عنك لحيتي فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه. فقال محمد: ما أريد بك أشد من قبضي على لحيتك. فقال عثمان: أستنصر الله عليك وأستعين به. ثم طعن جبينه بمشقص (9) في يده. ورفع كنانة بن بشر بن عتاب مشاقص كانت في يده فوجأ بها (10) في أصل أذن عثمان، فمضت حتى دخلت في حلقه، ثم علاه بالسيف حتى قتله. وقيل: ضرب كنانة بن بشر جبينه ومقدم رأسه بعمود، فخر لجنبه. وضربه سودان بن حمران المرادي بعد ما خر لجنبه فقتله. وأما عمرو ابن الحمق (11) فوثب على عثمان فجلس على صدره وبه رمق فطعنه تسع طعنات وقال: أما ثلاث منهن فإني طعنتهن لله. وأما ست فإني طعنت إياهن لما كان في صدري عليه
وعن جدة الزبير بن عبد الله قالت (12) :
لما ضربه المشاقص قال عثمان: "بسم الله توكلت على الله"، وإذا الدم يسيل على اللحية يقطر والمصحف بين يديه فاتكأ على شقه الأيسر وهو يقول: "سبحان الله العظيم" وهو في ذلك يقرأ المصحف والدم يسيل على المصحف حتى وقف الدم عند قوله تعالى: ﴿فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم﴾ [البقرة: 137] . وأطبق المصحف وضربوه جميعا ضربة واحدة. فضربوه والله بأبي وهو يحيي الليل في ركعة، ويصل الرحم، ويطعم الملهوف، ويحمل الكل، فرحمه الله".
وعن الزهري قال (13) :
قتل عثمان عند صلاة العصر، وشد عبد لعثمان أسود على كنانة بن بشر فقتله. وشد سودان على العبد فقتله. ودخلت الغوغاء دار عثمان فصاح إنسان منهم: أيحل دم عثمان ولا يحل ماله؟ فانتهبوا متاعه. فقامت نائلة فقالت: لصوص ورب الكعبة! يا أعداء الله ما ركبتم من دم عثمان أعظم. أما والله لقد قتلتموه صواما قواما يقرأ القرآن في ركعة. ثم خرج الناس من دار عثمان فأغلق بابه على ثلاثة قتلى:
-1- عثمان.
-2- وعبد عثمان الأسود.
-3- كنانة بن بشر.
وقد اختلف الرواة في حكاية محمد بن أبي بكر فذكر بعضهم أنه طعن جبين عثمان بمشقص كان في يده. وقيل: إن عثمان لما أمسك محمد لحيته قال له عثمان: أستنصر الله عليك وأستعين به فتركه. وابن الأثير يرجح أنه تركه ولم يضربه.
وذكر ابن الأثير (14) أنهم أرادوا قطع رأسه فوقعت نائلة عليه وأم البنين، فصحن وضربن الوجوه. فقال ابن عديس: اتركوه. وأقبل عمير بن ضابئ فوثب عليه وكسر ضلعا من أضلاعه وقال: سجنت أبي حتى مات في السجن.
وبلغ الخبر عليا وطلحة والزبير وسعدا فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر حتى دخلوا على عثمان فقال علي لابنيه: كيف يقتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب، ورفع يده فلطم الحسن، وضرب الحسين على صدره. وشتم محمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير، وخرج وهو غضبان
حتى أتى منزله فجاء الناس يهرعون إليه يريدون مبايعته فقال: "والله إني لأستحي أن أبايع قوما قتلوا عثمان، وإني لأستحي من الله تعالى أن أبايع وعثمان لم يدفن". فافترقوا، وتمت البيعة له.