- وفاة أبي الدرداء الأنصاري (1) (سنة 32 ه/ 653 م) :
اسمه عويمر بن مالك، وقيل اسمه عامر بن مالك، وعويمر لقب. تأخر إسلامه قليلا. كان آخر أهل داره إسلاما، وحسن إسلامه، وكان فقيها، عاقلا، حكيما. آخى رسول الله بينه وبين سلمان الفارسي. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عويمر حكيم أمتي" (2) . شهد ما بعد أحد من المشاهد.
مر أبو الدرداء يوما على رجل أصاب ذنبا وكانوا يسبونه. فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب (3) ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى. قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم. قالوا: أفلا تبغضه. قال: إنما أبغض عمله فإذا تركه فهو أخي.
ولما نزل به الموت بكى فقالت له أم الدرداء: وأنت تبكي يا صاحب رسول الله؟ قال: نعم. وما لي لا أبكي ولا أدري علام أهجم من ذنوبي. ودعا ابنه بلالا فقال: ويحك يا بلال، اعمل للساعة، اعمل لمثل مصرع أبيك، واذكر به مصرعك وساعتك فكأن قد. ثم قبض.
وكان أبو الدرداء مقرئ أهل دمشق وقاضيهم. يهابه معاوية، ويتأدب معه.
- وفاة المقداد بن الأسود الكندي (1) (سنة 32 ه/ 654 م) :
هو قديم الإسلام من السابقين وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم عاد إلى مكة فلم يقدر على الهجرة إلى المدينة لما هاجر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عن ابن إسحاق قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا غيرهم فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال أبو بكر فأحسن. وقال عمر فأحسن. ثم قام المقداد فقال: يا رسول الله امض لما أمرت به فنحن معك. والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق نبيا لو سرت بنا إلى برك الغماد (2) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له. قيل: لم يكن ببدر صاحب فرس غير المقداد، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وشهد فتح مصر.
وكانت وفاته بالمدينة، ومات بأرض له بالجرف، وحمل إلى المدينة، ودفن بالبقيع، وأوصى إلى الزبير بن العوام، وصلى عليه عثمان رضي الله عنه.
وكان عمره سبعين سنة، وكان رجلا ضخما، طويلا، آدم، ذا بطن، كثير شعر الرأس، يصفر لحيته، وهي حسنة، وليست بالعظيمة ولا بالخفيفة، أعين، مقرون الحاجبين، أقنى.
وبعد أن توفي المقداد جعل عثمان يثني عليه فقال الزبير:
لا ألفينك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي