تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- وفاة العباس بن عبد المطلب (1) (سنة 32 ه/ 653 م) :

توفي في هذه السنة أيضا العباس بن عبد المطلب كما ذكره الطبري (2) وهو عم رسول

الله صلى الله عليه وسلم وصنو أبيه. يكنى أبا الفضل بابنه الفضل، وأمه نتيلة بنت خباب، وهي أول عربية كست البيت الحرير والديباج وأصناف الكسوة. وسببه أن العباس ضاع وهو صغير فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت فوجدته، ففعلت. وكان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين. وقيل: بثلاث سنين.

وكان العباس في الجاهلية رئيسا في قريش. وإليه كانت عمارة المسجد الحرام، والسقاية في الجاهلية. أما السقاية فمعروفة. وأما عمارة المسجد الحرام فإنه كان لا يدع أحدا يسب في المسجد الحرام، ولا يقول فيه هجرا لا يستطيعون لذلك امتناعا. لأن ملأ قريش كانوا قد اجتمعوا وتعاقدوا على ذلك. فكانوا له أعوانا عليه.

وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة لما بايعه الأنصار ليشدد له العقد، وكان حينئذ مشركا. وكان ممن خرج مع المشركين يوم بدر مكرها. وأسر يومئذ فيمن أسر. وكان قد شد وثاقه فسهر النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ولم ينم، فقال له بعض أصحابه: ما يسهرك يا نبي الله؟ فقال: "أسهر لأنين العباس". فقام رجل من القوم فأرخى وثاقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لي لا أسمع أنين العباس؟ " فقال الرجل: أنا أرخيت من وثاقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فافعل ذلك بالأسرى كلهم" (3) . (وهذا هو العدل) وفدى يوم بدر نفسه، وابني أخويه: عقيل بن أبي طالب (4) ونوفل بن الحارث (5)

ثم هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشهد معه فتح مكة وانقطعت الهجرة وشهد حنينا، وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انهزم الناس بحنين.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظمه ويكرمه بعد إسلامه وكان وصولا لأرحام قريش. محسنا إليهم. ذا رأي سديد، وعقل غزير.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني، فإنما عم الرجل صنو أبيه" (6) .

وعن العباس قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: علمني يا رسول الله شيئا أدعو به. فقال: "يا عباس، يا عم رسول الله، سل الله العافية في الدنيا والآخرة" (7) .

واستسقى عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنهما عام الرمادة لما اشتد القحط، فسقاهم الله تعالى به، وأخصبت الأرض، فقال عمر: هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه. لكن دائرة المعارف الإسلامية قالت (8) : إن هذه القصة خرافة وضعها العباسيون. وهذا تعنت وتشكيك. لأن حسان بن ثابت (9) ذكر استسقاء عمر بالعباس في شعره. فلو كان ذلك خرافة لما ذكره حسان

بالمرة. ولا يخفى أن حسان قال ذلك الشعر زمن عمر بن الخطاب وإليك قوله:

سأل الإمام وقد تتابع جدبنا ... فسقى الغمام بغرة العباس

عم النبي وصنو والده الذي ... ورث النبي بذاك دون الناس

أحيا الإله به البلاد فأصبحت ... مخضرة الأجناب بعد الياس

وعن أنس بن مالك. أنهم كانوا إذا قحطوا على عهد عمر خرج بالعباس فاستسقى به وقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا عليه السلام إذا قحطنا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا عليه السلام فاسقنا".

وعن موسى بن عمر قال: أصاب الناس قحط، فخرج عمر ابن الخطاب فأخذ يستسقي بيد العباس، فاستقبل به القبلة. فقال: "هذا عم نبيك عليه السلام جئنا نتوسل به إليك فاسقنا، فما رجعوا حتى سقوا.

وعن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه قال: رأيت عمر آخذا بيد العباس فقام به فقال: اللهم إنا نستشفع بعم رسولك صلى الله عليه وسلم إليك (10) .

فليست قصة الاستسقاء خرافة كما زعمت دائرة المعارف الإسلامية فقد رواها جمع من الصحابة.

ولما سقى الناس طفقوا يتمسحون بالعباس ويقولون هنيئا لك ساقي الحرمين. وكان الصحابة يعرفون للعباس فضله، ويقدمونه، ويشاورونه، ويأخذون برأيه، وكان له من الولد عشرة ذكور سوى الإناث.

توفي العباس بالمدينة، وصلى عليه عثمان، ودفن بالبقيع، وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وكان طويلا، جميلا، أبيض.

عثمان بن عفان ذو النورين · الصفحة ١١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عثمان بن عفان ذو النورينص ١١٤