هذه هي الأخبار والنوادر التي سجلتها مي عن ولي الدين، فأعطتنا مفتاحا لنفسيته، وإن يكن من المفيد أن نتم هذه الأخبار والنوادر بما ذكره أنطون الجميل، وبخاصة عن موت ولي الدين وطريقة هذا الموت ، فهو لم يمت بغتة ولا غرقا، وإنما مات بعد عذاب أليم، ومرض طويل ألزمه البيت سنوات.
وكتب إلى أنطون الجميل في 12 فبراير سنة 1918 يصف هذا المرض فقال: «أنا في يأس شديد من زوال هذا المرض ... الذي عجز الطب عن دفعه وهو المسمى «الربو»
emphyzème . إذا دجا الليل تكاثرت مخاوفي، فلا يغمض جفناي فرقا؛ لأني لا أغفي إغفاءة إلا وأنتبه صارخا مذعورا؛ إذ تتقطع أنفاسي، ويشتد اضطراب قلبي، وتبرد يداي ورجلاي، فأختلج مكاني وأتلوى تلوي الأفعى ألقيت في النار. أريد تنفسا أستعيد به ما يوشك أن يذهب عني من الحياة فلا أجده، حتى إذا بللني العرق وأنهكني التعب، عاودتني أنفاسي شيئا فشيئا، وذهبت النوبة على أن تعود بعد ساعة أو ساعتين، ومصير مثل هذا المرض معلوم وهو مذكور في كتب الطب، لم يختلف فيه طبيبان ... لا أدري أمن الموت وما أنتظره من أهوال يزداد جزعي؟ وما تطلع علي شمس يوم إلا وزادتني قربا من قبري، وا لهفي على آمال تحولت آلاما! ووا حسرتي على أيام عمر ما ضحكت لي مرة إلا جعلت دموعي لها ثمنا! أهذه عاقبة الصبر التي أطلت انتظارها؟ ما أكثر ضلال الحكماء، وما أكثر غش القدماء ...»
وكان آخر ما كتب بيتين وجدا قرب سريره بعد موته، وهما:
يا جسدا قد ذاب حتى امحى
إلا قليلا عالقا بالشقاء
أعانك الله بصبر على
ما ستعاني من قليل البقاء
| أديب ملتزم
لقد أشاعت الوجودية في عالم الثقافة والأدب المعاصر فكرة خصبة بالغة الأهمية، وهي فكرة الالتزام في الأدب كنتيجة للالتزام في الحياة، وهي قد لا تبدو جديدة، ولكن الوجودية قد جعلت منها في العصر الحاضر مذهبا في الأدب والتفكير.
وإذا كان الالتزام في الأدب مذهبا يرمي إلى توجيه الأدب الجديد، فليس هناك ما يمنع من اتخاذه فيصلا في الحكم على الأدب السابق، أو على الأقل نورا يهتدى به في إيضاح خصائص الأدب السابق ومميزاته.
والالتزام في الأدب معناه بكل بساطة أن يكون للأديب رأي واضح متميز في المشكلة التي يعرضها، أو في القصة التي يرويها، أو المسرحية التي يقدمها، بل وفي القصيدة التي ينظمها، إذا كانت تلك القصيدة ذات موضوع يحتمل إبداء رأي، والالتزام به وتحمل مسئوليته.
والذي لا شك فيه أن العالم كله والبلاد العربية في حاجة ماسة إلى الأدب الملتزم، وذلك حتى يستقيم للناس سلم صحيح للقيم، وحتى يتميز الحق من الباطل، والطيب من الخبيث، والخير من الشر، والجميل من القبيح، ومن أجدر من الأدباء ذوي الوعي والحساسية بأن يقدموا لأممهم هذا السلم الذي تفتقده.
والذي لا شك فيه أنه لو غلب مذهب الالتزام على أدبنا لاستطاع الأدباء أن يحتلوا مكانهم في قيادة الأمة وكسب احترامها، ولاستطعنا أن نتخلص من أكبر أزمة روحية نعانيها، وهي أزمة البلبلة والتردد والفوضى، واختلاط القيم والأقدار.
وإذا كنا قد لاحظنا عند حديثنا عن موقف الشاعر أحمد شوقي من عزل السلطان عبد الحميد، وثورة الجيش عليه دفاعا عن الدستور، وموقف ولي الدين يكن من نفس الحادث ومعارضته، أو على الأصح رده على قصيدة شوقي «عبرة الدهر» بقصيدة أخرى بنفس العنوان، إذا كنا قد لاحظنا عندئذ أن شوقي لم يبد رأيا محددا حاسما، بل أخذ يلف ويدور وينافق الجميع، فيرثي لعبد الحميد ويتفجع على جواريه، ثم يشيد بثورة الجيش وبطولته، ويتغنى بشجاعة أنور ونيازي وشوكت، ثم ينتهي بمبايعة السلطان الجديد محمد الخامس، مما يبلبل الأفكار، ويزعزع الثقة بالشاعر الذي تقول الحكمة القديمة أنه خليفة الأنبياء، وذلك بينما نرى ولي الدين يسفه رثاء شوقي لعبد الحميد وعطفه على جواريه، ويصيح في قصيدته بأن عزل عبد الحميد لم يكن إلا إيقافا لظلمه وفساده وطغيانه، وانتصارا لدماء الأبرياء وحقوق الرعية.