تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورغم ما نزل به من الرزايا كان مجلسه مجلس ظرف وأدب، وتكاد النكتة تبرز في كل جملة يقولها، وللأشياء عنده مقارنات غريبة ، رأى يوما خط المرحوم شميل - وكانت رداءة خط الدكتور مشهورة - فوضع ولي الدين إصبعه على أحد الحروف قائلا: «تعجبني هذه الألف لأنها تشبه النبوت!» أما كرهه لكلمة «أيضا» فلا حد له، وهو يهجوها بألفاظ ونعوت تضحك الحاضرين حتى تستدر دموعهم، وتجعلهم يتجنبون لفظها ما استطاعوا، فقد يتفق أني أكتب مثلا كلمتين أو ثلاث كلمات أو جملة بتمامها لأتخلص من وجود «أيضا»، وإذا اضطررت وكتبتها مرة أو قرأتها أو سمعتها يوما عاودني بعض ما أضحكني في هجوها، فأسفت لأني دونتها مسوقة.

سألت مرة ولي الدين بك: متى يجاوب الكاتب الذي يناقشه في إحدى الصحف؟ فأجاب بمنتهى الجد: وكيف يمكنني أن أناقش رجلا يدمج في مقالة واحدة عشرين أيضا ولا يموت؟ إذا جاوبته أقول له: ما لي ولك يا أيضا!

وكان يوما في حفلة حافلة بالوزراء والكبراء، وبعد انقضاء ساعة تقريبا قفز بغتة، وخرج من القاعة مسرعا ثم عاد بعد انتهاء الحفلة معتذرا من الذين كانوا بجواره وذهلوا لحركته الفجائية، اعتذر بأنه لم يكن عالما أن فلانا موجود، وأنه لا يحتمل أن يكون وإياه في غرفة واحدة، فقيل له: «أنت تكره فلانا، ولكن لو هو أحبك وطلب صداقتك فماذا تفعل؟» فأجاب لفوره: «أنتحر!»

والغريب أنه لم يكن من علاقة بينه وبين الشخص المكروه، ولم يكلمه مرة في حياته على ما يقال، وليس في خلق ولي الدين بك شيء من التكلف، فهو صادق في ميله، صادق في نفوره، سواء أكان فيهما على هدى أو على ضلال، وللألحان والألوان تأثير شديد في نفسه، قال لسماع فتاة تغني بصوت خافت: «هذه نسمات البسفور.» أما تلك القطعة الموسيقية المرقصة المعروفة باسم كارمن سيلفا، فلا يرى البيانو مفتوحا إلا ويطالب بأن تعزف له، وفي إحدى زياراته لنا رأيت نظره جامدا بعيد وصوله، وإذ سألته ما به قال: «هذه (مشيرا إلى زهرة ليلكيه في ثوبي)، يحزنني هذا اللون الليلكي.» فحاولت نزع الزهرة، فقال: «لا تفعلي أرجوك، يحزنني أن أراها، ويحزنني أكثر من ذلك أن تنزع.» وأنشدنا ذلك المساء أبياتا من شعره الحزين.

وكما أن كرهه ونفوره شديدان، فكذلك حبه وإعجابه، هو معجب بالرسم الذي تعلم مبادئه في المنفى، فلا يندر أن يكتب أبياتا يرسم فيها ذوات المعاني مثل: غرد الطير، فهو يكتب غرد كتابة، ويرسم الطير رسما، وهكذا. وله ولع بخليل مطران وبشعره، فقد رأيناه مرة يضطرب وتتغير ملامحه لمجرد سماع أبيات من قصيدة «الأسد الباكي»:

أنا الأسد الباكي أنا جبل الأسى

أنا الرمس يمشي داميا بين أرماس

فيا منتهى حبي إلى منتهى المنى

ونعمة فكري فوق شقوة إحساسي

دعوتك أستشفي إليك فوافني

على غير علم منك أنك لي آسي

فهتف ولي الدين بك: «كفى!»

ثم تابع بعد سكون قصير: «آه خليل! خليل! لو سئلت كيف ينظم موكب دفني، لتمنيت أن يرثيني خليل مطران بأبيات ينشدها عزيز نصر على مقربة من نعشي السائر، أريد أن أشيع إلى قبري على هذه الصورة في موكب ينظمه سليم سركيس.»

كتبت كل هذا عن ولي الدين بك؛ لأني أعلم أنه كاتب محبوب في سوريا، وأن أخباره تهم القراء الذين لا يستطيعون الوقوف على مثل هذه المعلومات من الصحف السيارة.

إن الأدب العذب المتسم به هذا الرجل شأن من تربى تربية عالية ممتازة، لا يحول دون شذوذ خاص به، هو نفس كثيرة الأهواء، منهوكة القوى، متمردة وثابة حساسة رقيقة، حتى لتخال رقتها وإحساسها سقاما أحيانا، وإذا جاء وقت الوثب كان متهورا في شجاعته، غير ميال ولا هياب. فلا عجب إذا جذبه البحر، ونبه فيه أشواقا غير مألوفة، ولا عجب أن تسمع منه هذه الجملة: «أود أن أموت غرقا بدلا من أن أموت في سريري بين جدران ضيقة بعد عذاب أيام وحشرجة ساعات. أريد أن أموت غرقا في البحر على غير استعداد؛ لأن في مثل هذه الميتة الشعرية عظمة وشذوذا».»

محاضرات عن ولي الدين يكن · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن ولي الدين يكنص ٨