تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وباقتراب موعد الوليمة أخذ النبلاء يصلون كل على جواده، مصحوبا باثنين أو ثلاثة من الخدم، ولاحظوا أن صحن القصر كان مليئا بالجنود المرتزقة المسلحين، وأن أربعة مدافع كانت مصوبة نحو المدخل، ولكنهم ظنوا أنها وضعت هناك لإطلاقها - كما جرت العادة - احتفالا بتلك المناسبة المبهجة، وإذا كان البعض قد خشي أن تكون هناك مكيدة، فإنهم بعد دخولهم لم يستطيعوا الارتداد؛ وذلك لأن الأبواب كانت محروسة، وكان الحراس قد تلقوا الأوامر بألا يسمحوا لأحد بالخروج.

وما إن تجمع النبلاء - وعددهم سبعة وأربعون نبيلا - حتى جلس لابوشنيانو على رأس المائدة، وعن يمينه بتروتوزان رئيس الديوان، وعن يساره الوزير مع موتوزك ونفخ في البوق؛ فأخذت أطباق الطعام تصل.

وفي ذلك الوقت لم يكن ذوق الطعام مرفها في ملدافيا، فحتى في أكبر الولائم، كانوا يقتصرون على قليل من الألوان، فكان هناك الحساء البولوني، ثم أطباق يونانية بالخضر الطافية في الزيت، والأرز التركي، وأخيرا أنواع مختلفة من اللحوم المحمرة، وكانت المفارش والفوط من نسيج رقيق ينسج في البيوت، وكانت الصواني التي يحمل عليها الطعام، والأطباق والكئوس كلها من الفضة، وعلى طول الجدار كانت تصف الدنان الكبيرة المنبعجة، مليئة بنبيذ أودوبستي وكتناري، وخلف كل نبيل وقف خادم يسكب له الشراب، وكان جميع هؤلاء الخدم مسلحين.

وفي صحن القصر إلى جوار بقرتين كبيرتين أو أربعة كباش محمرة كانت هناك ثلاثة براميل نبيذ مفتوحة، وكان الخدم يشربون ويأكلون كما يشرب ويأكل النبلاء، وكانت جميع الرءوس قد أخذت تدب فيها الحميا، وقد أخذ النبيذ يعمل عمله، فالنبلاء يقدحون كئوسهم في جلبة، ويشربون على صحة الأمير، والجند المرتزقة يجاوبونهم بصيحات مرحة وطلقات المدفع تزأر.

واقتربت الوليمة من نهايتها عندما رفع فيفرتسا رأسه، وهو يقول: «إنني أرجو لك حياة طويلة يا سيدي! فلتحكم في سلام في هذه البلاد، وليثبك الله فيك برحمته، نيتك الطيبة في ألا تهلك النبلاء بعد الآن، وألا تظلم الشعب ...»

ولم يتم حديثه إذ ضربه قائد الشرطة بالمدقة على جبهته؛ فخر ميتا.

وصاح قائد الشرطة قائلا: آه! أتسبون الأمير؟ اهجموا عليهم أيها الرجال ... وبسرعة استل الخدم الواقفون خلف النبلاء خناجرهم وأخذوا يضربون، كما دخل الجنود المرتزقة بقيادة ضابطهم، وانقضوا على النبلاء بالحراب، وذلك بينما سحب لابوشنيانو الوزير موتزوك من يده نحو النافذة المفتوحة، وأخذ يتأمل المذبحة التي ابتدأت وهو يضحك، بينما موتزوك تصطك أسنانه وشعر رأسه يقف، وهو يحاول الضحك أيضا إرضاء لسيده، وكان هذا المشهد الدامي في الواقع منظرا بشعا، ولنتصور صالة طولها خمسة عشر قدما وعرضها اثنا عشر، وبها حوالي المائة من القتلة المصممين على القتل - أي جلادين - ومن المحكوم عليهم بالإعدام، فريق يدافع بجنون اليأس، وفريق بسورة الحميا، ولكن النبلاء الذين لم يتوقعوا مثل هذا الغدر، والذين حضروا مجردين من السلاح، لم يستطيعوا الصمود في الدفاع، فأخذوا يتساقطون من الضربات الجبانة التي تلقوها من الخلف، وكان الشيوخ منهم يموتون وهم يرسمون الصليب، بينما دافع عدد من الشبان عن أنفسهم - في جنون - مستخدمين في ذلك كل ما وصلت إليهم أيديهم من كراسي وأطباق ومعالق، كما أن البعض كان يطبق على رقبة قاتله رغم ما به من جروح ويكاد يخنقه، ومن كان ينجح منهم في انتزاع حربة، كان يقتضي ثمنا باهظا لحياته.

وقتل عدد من الجنود المرتزقة، ولكن أحدا من النبلاء لم يفلت من القتل عند نهاية المذبحة، فالسبعة وأربعون جثة كانت ممددة على الأرض، وفي تلك المعركة انقلبت المائدة وتحطمت الدنان، واختلط النبيذ بالدم مكونا بركة فوق البلاط.

وبينما كانت المذبحة دائرة في أعلى، كان القتل يدور أيضا في صحن القصر، وعندما رأى خدم النبلاء أنفسهم وهم يهاجمون غدرا أخذوا يهربون، ومن استطاع منهم الهرب بتسلق الجدران جرى ليستنفر بيوت النبلاء، ويدعو إلى العون الخدم الآخرين، وبذلك أثاروا الشعب، وراحت المدينة كلها تجري نحو أبواب القصر، وتهاجمها بضربات البلط.

قصص رومانية · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قصص رومانيةص ٩