وخضع المهندس وإن لم يفهم.
وأما المهندس الأجنبي المحتل الذي جس الذهب الأسود في كافة أركان الكرة الأرضية من القطبين إلى المناطق الاستوائية إلى كافة الأطراف المتقابلة، فإنه كرر وكأنه يحدث نفسه: «أنا أعرف ما هو، إنه الهياج الجنوني الذي يحسه الأهالي، وهو في هذه اللحظة هياج فردي أعمى انبثق عن اليأس، أعمى وفرديا، وهو أول عرض وأول نذير، ولكن بعد ذلك وفي الغد وبعد عام أو عشرة أخشى أن يتخلى هذا اليأس الأعمى الفردي عن مكانه ليحل محله صراع من نوع آخر، صراع منظم واع تقوم به الجماهير الشعبية لاسترداد حقوقها وحريتها وثرواتها التي طالما سلبها منهم أسياد اليوم وشركاؤهم في الجريمة، وهذا أمر حتمي لا مفر منه، وأما نحن فلا نستطيع ذلك، وإنما يستطيعه أولئك الذي سيفعلونه حتما وكقدر لا مفر منه، وهذه هي الأمارة التي كنت أنتظرها يا زميلي وصديقي الشاب!»
وصمت.
صمت ونظر وهو يقترب خطوة.
ومر أليكو توادير بريكوب أمام النافذة مشدودا في الملابس الضيقة لحضري من الضواحي، حيث كان قد نفي بإرادة السيد ريجينال ديبونز، مر كشبح ضخم مخيف حجب ضوء النهار كله.
وحاول رئيس عمال بولندي أن يقول له شيئا، ولكن أليكو توادير بريكوب ألقاه بظهر يده في الوحل وواصل طريقه، فهياجه الجنوني لم يكن يبحث عن رجال، على الأقل في تلك اللحظة.
وخلع أليكو من العقب باب كشك المراقبة، بقفله وما يتبعه.
وفهم سباستيان لودوس ...
كما فهم دون فوندل أيضا.
واستدار المهندس الروماني ليمسك بالتليفون.
ولكن الأجنبي قبض على ذراعه، ومرة أخرى سلم سباستيان لودوس - بسلبية أدهشته هو - نفسه، وغطى عينيه وأذنيه إذ كان يعرف ما سيحدث حتما.
وأدار الرجل الهائج عندئذ المفاتيح المتحكمة في الضغط: مفتاحا ثم مفتاحين فثلاثة فستة، وأصبحت غلاية ثم اثنتان ثم ستة على وشك الانفجار بعد عشر دقائق.
وأشعل فان دن فونديل غليونه وجلس على حافة النافذة وانتظر.
وفي مدينة الأفران العالية والغلايات والبروج والمخازن، المدينة المحاطة بأسوار حمراء، أخذت تجري وتضطرب وتتزاحم وتتناثر في كل ناحية أشباح سوداء، وتأتي لتدق باب المكتب، وترك فان دن فونديل النافذة لكي يدير قفل الباب مرتين، وبذلك لم يعد يزعجه أحد، كما لم يعد أحد يستطيع أن يستنجد بالتليفون.
وبعد شهر أو شهرين ستعود الغلايات مرة أخرى إلى مكانها وتعمل من جديد ولن يتغير شيء.
ولكن الرجل المشعث الشعر الموجود الآن في كشك المراقبة كان قد وصل إلى حقه في التنفيس عن ذلك العبء الكبير الخادع من الجنون الهائج.
وفتح سباستيان لودوس عينيه وأذنيه، بينما أخذ فان دن فونديل يدخن في هدوء وينتظر.
الانفجار المروع ... سيل من النار انقذف ليغزو السماء، ثم انفجار ثان آخر وغيرهما ... وأخذت النار تندلع من مخزن إلى آخر، راقصة متداخلة تصبغ السحب باللون الأحمر وتتبدد ثم تلتقي من جديد، وتهز في الهواء ستارا أحمر يشبه قطيفة الأرائك وستائر النوافذ.
وقال فان دن فونديل - وهو يضع يده على كتف سباستيان لودوس: «والآن نستطيع أن نذهب، أن نذهب لأداء واجبنا.»
وأدار المفتاح وفتح الباب.
وخرج الاثنان وسط الحريق الذي تتحرك فيه أشباح سوداء بعيدا عن الغلايات والأفران المتفجرة التي كان ينبعث منها سيل ضخم من اللهب والدخان.
وشق أليكو توادير بريكوب لنفسه طريقا عبر العقبات البشرية وقبضة يده إلى الأمام، وعيناه داميتان وشعره متناثر جاف، وأخذ يلكم بقبضته دون أن يعرف من يلكم؟ ولماذا؟
ومر إلى جواره.
وصاح فان دن فونديل: «بريكوب»!
ورد عليه أليكو توادير بريكوب بلكمة من قبضته في صدره؛ فترنح فان دن فونديل وسقطت قبعته وغليونه والصحيفة التي كان يحملها آليا.
وانحنى وجمعها في هدوء، وبكم سترته مسح قبعته، ثم وضع الغليون والصحيفة في جيبه، وأضاء اللهب رأسه المستديرة بشعاع مخيف كما أضاء الجميع.