وهكذا أرجو أن يفيد عملي المتواضع في ترجمة وتقديم هذه المختارات إلى قراء العربية فائدة تجمع بين المتعة الفنية الخالصة وإبراز أوجه الشبه والالتقاء والتقارب بين كفاح الشعوب النامية وبحثها عن ذاتها.
محمد مندور
| كونستانتين نجروزو (1801-1864)
ينتمي كونستانتين نجروزو إلى أسرة متواضعة من نبلاء ملدافيا، وهو أحد جماعة كتاب مجلة «داسيا الأدبية» التي كان يديرها «ميخائيل كجالنيشاينو»، والتي كانت تهدف قبيل ثورة سنة 1848 إلى الكفاح في سبيل أدب قومي أصيل، وهو كاتب موهوب تميز في بدء حياته الأدبية بالطابع الرومانسي، ولكنه لم يلبث أن تكشف في «أسود فوق أبيض» و«خطايا الشبابا» عن كاتب واقعي عامر بالسخرية قادر على أن يصور شخصيات ومواقف أصيلة من حياة ملدافيا في أواسط القرن الماضي، وهو خالق القصة التاريخية، وتعتبر قصة «إسكندر لابوشنيانو» أروع ما كتب في هذا الفن، كما أنه خلف قصيدة ملحمية إضافية بطلها الرئيسي هو إتيين الكبير الذي حكم ملدافيا في القرن الخامس عشر، وقد كان مترجما متحمسا عرف الجمهور الروماني بمؤلفات موليير وفلتير وفيكتور هيجو وا. كانتمير وبوتشكين وغيرهم.
| إسكندر لابوشنيانو1 (1514-1569)
(1) وإذا كنتم لا تريدونني فإنني أريدكم
كان يعقوب الهرقلي
2
قد مات مقتولا بأسلحة ستيفان تومسا
3
الذي كان يحكم البلاد، عندما استطاع إسكندر لابوشنيانو - الذي كانت جيوش يعقوب قد هزمته مرتين وفر لاجئا إلى القسطنطينية - أن يحصل على تعضيد الجيوش التركية، وأن يعود ليسترد الحكم من تومسا المغتصب، ويسترجع العرش الذي ما كان ليفقده قط لولا خيانة النبلاء، وقد دخل ملدافيا على رأس سبعة آلاف فارس، وثلاثة آلاف من الجنود المرتزقة ومزودا بفرمان بأمر خان التتار بأن يمد له يد العون كلما احتاج إليها.
وها هو الآن يعدو فوق خيله، وإلى جواره وزيره روكدان، وقد امتطى كل منهما جوادا عربيا، وتدجج بالسلاح من الرأس إلى القدم، وقال إسكندر بعد لحظة صمت: «ما رأيك يا روكدان؟ هل سننتصر؟»
وأجاب الوزير: «لا شك في ذلك يا سيدي، فالبلاد تئن تحت نير تومسا، وسيعطيك الجيش كله لمجرد أن نعده بزيادة المرتبات، وأما عن النبلاء الذين لا يزالون أحياء، فإن خوف الموت هو وحده الذي يمسكهم، ولكنهم عندما يرون قوات عظمتك سينضمون إلينا ويتخلون عنه.» - إني لأسأل الله ألا أضطر إلى أن أفعل ما فعله الحاكم ميركيا
4
في الفلاكيين، ولكني أكرر ما قلته لك أكثر من مرة من أني أعرف هؤلاء النبلاء بحكم حياتي بينهم. - إن الأمر لعظمتك تقضي فيه بحكمتك السامية، وظلا في مثل هذا الحديث حتى وصلا إلى قرية تيكوشي بين بوخارست ومدينة إياسي، ووقفا عند حافة غابة لكي.
واقترب أحد السواس ليقول: يا سيدي، لقد وصل بعض النبلاء وهم يطلبون الإذن بالمثول أمام عظمتك.
وأجاب إسكندر: فليأتوا.
وفورا دخل إلى خيمة إسكندر أربعة من النبلاء محاطين بأتباعه وضباطه، وكان اثنان منهما أكبر سنا واثنان أصغر، والأكبر هما موتزوك وزير الداخلية، وفيفر تزا كبير الياوران، وأما الأصغر فهما القائدان المساعدان سبانكوك وستروبكي.
واقتربوا من الأمير إسكندر، ثم انحنوا حتى الأرض، ولكنهم لم يقبلوا - كما جرت العادة - ذيول قفطانه.
فأجابوا: لك السعادة والرخاء يا صاحب العظمة، واستطرد إسكندر يقول: لقد علمت بالرزايا التي حلت بالبلاط، وقد جئت لإنقاذها، وأنا أعلم أن الناس ينتظرونني في غبطة.
وأجاب موتزوك قائلا: فلتسمح عظمتك بأن أقول أن كل شيء هادئ عندنا، ولربما يكونوا قد قصوا عليك أشياء لا وجود لها ، فلدى قومنا عادة سيئة هي تفخيم الأشياء تفخيما مسرفا، ولقد كلفنا بأن نخبرك أن الشعب لا يريدك ولا يحبك، وأن عظمتك تحسن صنعا لو عدت إلى ...