تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولمدة طويلة ظل يندفع كالسهم قافزا فوق الحفر ومتخطيا الموانع وجذور الشجر دون أن أستطيع إيقافه، أو تعرف الأماكن أو تبين الجهة التي يحملني إليها، وخلال هذا الشوط السحيق الذي خاطرت أثناءه في كل لحظة بكسر رقبتي، وجسمي مثلوج ورأسي تحترق، أخذت أفكر في الفراش الوثير الذي أعرضت عنه في حمق ... لماذا؟ إن مدام مرجيولا كانت ستتخلى لي عن حجرتها، وإلا لما رجتني أن أبقى، وأخذ الجدي يتحرك في الخرج لكي يهيئ لنفسه مكانا أفضل، وأخذت أنظر إليه ورأسه الذكية تطل من الخرج، وهو الآخر ينظر إلي أيضا نظرة حكيمة، وتذكرت عندئذ عيونا أخرى، وأدركت مدى حمقي، واصطدم الحصان فأرغمته على الوقوف، وأراد أن يستأنف السير، ولكنه من شدة التعب خر على ركبتيه، وفجأة برقشت السحب وانفرجت قليلا عن الهلال الذي أنزلت بي رؤيته الدوار، فكأنني قد تلقيت على جبهتي ضربة هراوة، وقد كان أمامي وكأن بالسماء هلالين، فقد كنت متجها نحو التلال، ومن الواجب أن يكون الهلال خلفي، وأدرت رأسي بسرعة لكي أرى القمر، القمر الحقيقي ... لقد ضللت الطريق فأنا أنزل نحو السهل، أين أنا؟ ونظرت أمامي فرأيت حقلا من الذرة لم تقطع بعد عيدانه، ومن خلفي رأيت حقولا واسعة، فرسمت علامة الصليب مهتاجا، وبساقي المخدرتين غمزت جنبي الحصان؛ لكي أحمله على النهوض، وعندئذ أحسست على طول ساقي اليمنى هزة قوية ... وانطلقت صيحة، لا بد أنني قد دست الجدي، وفي سرعة تحسست الخرج فوجدته خاليا، لقد فقدت الجدي في الطريق، ونهض الحصان وهز رأسه واسترد وعيه واستعصى، ثم جمح فألقاني على الأرض وكأنما لدغته ذبابة شريرة، فانطلق يعدو في الحقول حتى اختفى في الظلام، وأفقت ونهضت مترنحا، فسمعت حفيف أعواد الذرة، وصوت رجل قريب يصيح: «بسي! بسي! يا ابن الحرام، اذهب إلى جهنم.»

فصحت: من هنا؟ - رجل طيب. - من أنت؟ - جورجي. - أي جورجي؟ - نطروز ... جورجي نطروز الذي يحرس حقل الذرة. - هل لك أن تدنو قريبا من هنا؟ - نعم ... نعم ... أنا قادم.

وأخذ شبح الرجل يظهر بين أعواد الذرة. - قل لي أيها الصديق ... أين نحن هنا؟ لقد ضللت الطريق بسبب العاصفة. - إلى أين تريد أن تذهب؟ - إلى بوبستي العليا. - آه ... نعم ... أنا أعرف ... تريد أن تذهب إلى بيت الحكمدار يورداكي. - نعم. - في هذه الحالة لم تضل الطريق، وإن يكن أمامك بعد شوط طويل لتصل إلى بوبستي، فأنت لا تزال عند هاكولستي.

فأجبت في مرح: إذا كنت عند هاكولوستي، فأنا إذن لست بعيدا عن فندق مانيوالا. - إنه إلى جوارنا ... فنحن الآن خلف الحظيرة. - أرني الطريق لو سمحت، فلست أريد أن أكسر عنقي الآن.

كنت قد ضللت أربع ساعات تقريبا، وببضع خطوات وصلت إلى مدخل الفندق، وكانت حجرة مدام مرجيولا مضاءة، وأشباح تنعكس صورها على الستائر، لعل مسافرا أكثر فطنة مني قد اقتنص فرصة النوم على هذا الفراش البالغ النظافة، ومن الراجحة أن أضطر إلى الاكتفاء بأريكة بالقرب من الفرن، ولكن الحظ ابتسم لي؛ فلم أكد أدق الباب حتى سمع دقي، فأسرعت الخادم العجوز إلى فتح الباب، وما أن عبرت المدخل حتى أحست قدماي بشيء طري، وإذا به الجدي، نفس الجدي فهو جدي مضيفتي، وقد دخل هو الآخر إلى الغرفة وفي تعقل نام تحت الفراش.

شيء غريب! ... هل توقعت المرأة أنني سأعود! ... أم أنها نهضت مبكرة؟ فالفراش مسوى كما كان.

وكل ما استطعت قوله هو: مدام مرجيولا.

وأردت أن أشكر الله على نجاة حياتي، فرفعت يدي اليمنى إلى جبهتي، ولكنها أمسكت في سرعة بذراعي وأنزلته واحتضنتني بقوة.

ويخيل إلي أني ما زلت أرى تلك الحجرة، أي فراش! أية ستائر صغيرة! ... أية جدران! أي سقف! كلها بيضاء كاللبن! ومصباح المائدة، وكل هذه المفارش المطرزة برسوم متباينة كانت دافئة في دفء الجو الذي تهيئه الدجاجة لصغارها تحت جناحها، ثم رائحة التفاح والكمثرى البرية!

قصص رومانية · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قصص رومانيةص ٢٦