تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويسوقنا هذا النظر إلى دراسة مسألة الشعر وصلاحيته للأدب المسرحي.

وبالرغم من أن الأدب المسرحي قد نشأ شعرا عند اليونان القدماء، واستمر شعرا عند جميع الكلاسيكيين، ثم عند عدد كبير من الرومانتيكيين، وظل شعرا عند بعض المحدثين والمعاصرين، مثل إدمون روستان، إلا أن الجدل لا يزال قائما حول صلاحية الشعر للأدب المسرحي، بعد أن طغى عليه النثر، حتى كاد يغرقه، وبخاصة بعد احتلال القصص النثرية مكان الصدارة في جميع الآداب، وتقهقر الشعر حتى الغنائي منه، ونحن لا نريد استقصاء جميع النظريات التي تدور حول الشعر والنثر والمقارنة بينهما، وإنما نكتفي بعرض سريع لبعض تلك النظريات، التي تكشف عن اتجاهات ذلك الجدل، وهي نظريات قديمة متجددة قدم الأدب وتجدده.

ففي سلسلة من المحاضرات التي ألقاها بول فاليري في الكوليج دي فرانس بباريس، عرض هذا الشاعر العظيم، نظرية تشبه النثر بالمشي، والشعر بالرقص، وهذه النظرية، وإن تكن وثيقة الصلة بالمذهب الرمزي الذي يدين به هذا الشاعر، الذي يعلق على موسيقى الشعر ونغماته الإيحائية الأهمية الأولى، إلا أنها مع ذلك تصدق إلى حد بعيد على معظم أنواع الشعر وأنواع النثر؛ فالنثر بوجه عام سير نحو هدف هو: التعبير عن مكنون الفكر أو إحساس القلب؛ وهو لذلك وسيلة لا غاية، وأما الشعر ففن جميل في ذاته يقصد إلى خلق الصور الجمالية أولا، ويأتي التعبير فيه في المرتبة الثانية، ونستطيع أن نقرب للفهم هذه النظرية بمثل بسيط نسوقه دون تخير خاص؛ لأنه يكفي في إيضاح الفكرة، وليكن قولنا: «جاء وقت الظهيرة» فهذا التعبير النثري البسيط يفصح عن المعنى الذي نريده، وهو يشبه السير نحو هذا الهدف التعبيري، وأما الشعر فحرصه الأول ينصرف إلى خلق صورة جميلة تداعب الخيال، وهذه الصورة هي الهدف الأول للشعر، بينما يأتي التعبير في المرتبة الثانية؛ ولذلك يعبر الأعشى عن هذا المعنى بقوله: «وقد انتعلت المطي ظلالها.» فهذه الصورة، وإن تكن تفيد حلول وقت الظهيرة، إلا أن المعنى يتضاءل أمام الصورة الشعرية في ذاتها، وكأن هذه الصورة الجمالية رقص لغوي، وإذا صحت هذه النظرية يكون الشعر فنا جميلا في ذاته، لا يطالب بتحليل خلجات النفس الخفية وخواطرها الهروب، بقدر ما يطالب بخلق الصور الجمالية والإيحاء والتصوير بواسطة النغم والإيقاع، وعلى هذا النحو يكون الشعر أصلح للوصف والتصوير منه للتعبير والإفصاح اللذين يتطلبهما الأدب المسرحي، ويكون مجاله الغناء لا المسرح.

على أن هذه النظرية قد عارضها الأدباء والمفكرون، منذ القدم وباستطاعتنا أن نعثر عند العرب أنفسهم على معارضة قوية لها، في قول صاحب «العقد الفريد»: «زعمت الفلاسفة أن النغم فضل في المنطق لم يقدر اللسان على استخراجه ، فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا على التقطيع، فلما ظهر عشقته النفس، وحن إليه الروح؛ ولذلك قال أفلاطون: «لا ينبغي أن تمنع النفس من معاشقة بعضها بعضا».» ومعنى هذا النص الجميل أن الشعر يفضل النثر؛ إذ يجمع بين التعبير والنغم، وبفضل هذا النغم يستخرج من النفس ما يعجز المنطق؛ أي التعبير، على استخراجه، ويظهر ذلك عندما نرجع الشعر أي نترنم به دون الاكتفاء بتقطيعه إلى تفاعيل، أو قراءته في صمت، وكأن النغم يستنزف عندئذ جزءا من مكنون النفس البشرية، بقي متخلفا بها بعد أن حملت الألفاظ إلى الخارج ما تستطيع حمله من ذلك المكنون؛ ولهذا تعشق النفس النغم؛ لأنه يحمل جزءا منها، وكأنها بذلك تعشق بعضها بعضا، وهذا المعنى أحسه الكثيرون من نقاد الشعر في الشرق والغرب، ولقد كتب سليمان البستاني في مقدمة ترجمته للإلياذة، صفحات دقيقة نافذة عن أوزان الشعر العربي، وصلاحية بعضها لبعض الموضوعات دون الأخرى، وباستطاعتنا أن نضرب هنا مثلا أو مثلين لإيضاح هذه النظرية الرائعة، ولنأخذ إحداهما من قول الشاعر أحمد زكي أبو شادي في حنينه إلى الماضي:

محاضرات عن مسرحيات شوقي: حياته وشعره · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن مسرحيات شوقي: حياته وشعرهص ١٥