تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا يتضح لماذا لم ينجح شوقي النجاح الكامل في استغلال عنصر الصراع، الذي استغلته التراجيديا الكلاسيكية عند الفرنسيين، فوصلت إلى قمة الدراما والتأثير المسرحي.

ودراسة عنصر الدراما عند شوقي، يتطلب النظر أيضا في طريقة استخدامه للحيل المسرحية الثانوية، مثل «التعرف» الذي استخدمه في تعرف آمال على أخيها مراد بك، في مأساة «علي بك الكبير»، وتعرف «حسون» على «بثينة» في مأساة أميرة الأندلس، وكذلك حيلة «المفاجأة» التي استخدمها في مفاجأة بشر لقيس في مأساة «المجنون»، وأيضا وسيلتي «الائتمان» «والمناجاة» في الكشف عن دخائل النفوس، وكل هذه حيل معروفة مطروقة في الأدب المسرحي منذ أقدم أزمنته، وليس من الممكن المفاضلة على نحو مطلق بين هذه الحيل؛ ففي بعض المواقف قد تفضل المناجاة الائتمان، وفي مواقف أخرى قد يصح العكس، وموضع المؤاخذة ربما كان في إسرافه في المناجاة، حيث نطالع أو نسمع منولوجات غنائية طويلة، في مواقف حرية بأن تعقد اللسان أو لا تنطقه إلا بالنزر اليسير، ولكنه شوقي الشاعر الغنائي الذي ينطلق على سجيته ليطربنا بقصائده الشجية التي تكاد تكون قطعا غنائية قائمة بذاتها لا أجزاء من مسرحية، على نحو ما نلاحظ في منولوجات كليوباترة وأنطونيو، أو وادي العدم، أو أغنية التوباد، وإن يكن من الملاحظ أن مسرح شوقي قد تطور، فقلت قصائد المناجاة، أو أوجزت في المسرحيات التي تلت «مصرع كليوباترة» و«مجنون ليلى»، وازدادت أهمية الحوار وطبعيته.

ولو أننا نظرنا بإمعان في مسرح شوقي لوجدنا أنه يقوم على عناصر أخرى دخيلة على عنصر الدراما: (1)

ففي بعض الأحيان نلقى مشاهد قصصية ووصفية لا نتبين علاقتها بعناصر الدراما، وهي أكثر صلاحية إما للقصص أو للملاحم، ونحن نفهم أن يأتي القصص والوصف عرضا في بعض الحالات داخل الحوار، إذا كان هذا الوصف أو ذلك القصص، يؤثر في عنصر الدراما أو يكشف عن جوانب نفسية من الشخصيات، ويفسر سلوكها، ولكننا لا نتبين أحيانا أيه علاقة بين ذلك الوصف أو القصص، وسير الدراما أو شخصياتها، ونضرب لذلك مثلا بالمشهد الذي يصف فيه الشاعر مرور موكب الحسين بن علي في صحراء الحجاز وتهليل العرب وتكبيرهم لذلك الموكب، ولقد يصور هذا المشهد حقيقة تاريخية ثابتة في مطلع حكم الأمويين وهزيمة العلويين وظهور مذهب الشيعة في الحجاز، ولكننا لم نتبين في المسرحية تأثير هذه الظاهرة في سيرها أو في أشخاصها، وكذلك مشاهد الجن وندوات غناء الغريض في نفس المسرحية، وذلك مع العلم بأنه حتى في مجال القصص الذي يتسع لتصوير البيئة يحرص القصاص على أن يربطوا بين تلك البيئة وأحداث قصتهم وشخصياتهم، وفي مسرحية «أميرة الأندلس» نشاهد عدة لوحات استعراضية، تصيب عنصر الدراما فيها بشيء غير قليل من البطء والتفكك، والظاهر أن شوقي كان يطمع في أن يصور البيئات التاريخية التي استمد منها مواضيع مسرحياته، وهذا مطمع لا غبار عليه، ولكن الفن المسرحي كان يقضي بأن يأتي هذا التصوير في تضاعيف عنصر الدراما، وأن يربط به رباطا وثيقا، وإنه لمن الغريب أن نلاحظ أنه عندما يكون لوصف تلك البيئة تأثير مباشر على سير الدراما نجد شوقي يلزم الصمت، أو الاقتضاب المخل في تصويرها، ولعل هذا أوضح ما يكون في رواية «قمبيز»، حيث يوضح كيف أن جنود اليونان المرتزقة، قد كانوا العنصر الغالب المسيطر في جيش فرعون، ثم يفاجئنا بأن «فانيس» رئيس أولئك الجند، قد غدر بفرعون، والتجأ إلى «قمبيز»، حيث أخبره بالخديعة التي خدعه بها فرعون عندما زوجه ب «نتيتاس» موهما إياه بأنها ابنته، وذلك دون أن يخبرنا بسبب هذا الغدر ولا بواعثه. (2)

والعنصر الثاني الذي يراه النقاد المحدثون دخيلا على الدراما هو العنصر الغنائي، وذلك باعتبار أن شوقي قد وضع مسرحياته؛ لكي تمثل، لا لكي تغنى فهي مآس وملهاة، لا أوبرا ولا أوبريت، وهم يفسرون ذلك بأن شوقي كان شاعرا غنائيا أقحم نفسه على الفن المسرحي دون أن يستطيع التخلص من طابعة الغنائي، وهذا النقد صحيح، ولكنه لا يذهب بقيمة هذا الإنتاج الأدبي الجميل، ونحن نصر على أن مآسي شوقي الشعرية لو أتيح لها الموسيقيون والمغنون الذين يستطيعون تحويلها إلى أوبرا لأصابت نجاحا كبيرا، ومن منا لا يطرب ل «أنا أنطونيو وأنطونيو أنا»، أو «جبل التوباد حياك الحيا»، أو «تلفتت ظبية الوادي»؟! أو غيرها من المقطوعات التي لحنها وغناها المطرب محمد عبد الوهاب، فما بالنا لو لحنت كل تلك المآسي من مطلعها إلى نهايتها ومثلت بالغناء، وكلها مآس تصلح بموضوعاتها ولوحاتها وأشعارها؛ لأن تكون أوبرات رائعة مستوفية لكافة العناصر، وبذلك يستمر المسرح المصري الغنائي في تطوره الغنائي، ويكمل ما ابتدأه «سلامة حجازي» و«سيد درويش».

محاضرات عن مسرحيات شوقي: حياته وشعره · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن مسرحيات شوقي: حياته وشعرهص ١٤