الفكر والتأمل
وإذا كان الشعر الغنائي في العصور القديمة والعصور الوسطى قد عرف ما يسمى بشعر الفكرة وشعر الحكم، وكتب منه الممتع المركز الصافي الجوهر، فإن هذا النوع من الشعر قد تطور في العصور الحديثة من الفكر والفلسفة والحكمة إلى التأمل والاستبطان الذاتي، فلم يعد الشعر الحديث يحفل بالفكرة في ذاتها، ولا بالحكمة في ذاتها، بل يحفل بتأمل الأفكار والحقائق تأملا وجدانيا؛ أي بالتعبير عن وقع هذه الحقائق والأفكار والحكم في النفس البشرية وتأثيره فيها عن طريق التأمل، والنظر في تأثيرها في حياة الإنسان ومصيره وسعادته أو شقائه؛ بحيث يمكن القول إن ما نسميه قديما بشعر الفكرة قد أصبح من الواجب أن يصبح اليوم شعر التأمل الفكري وإلا رميناه بالجفاف والنثرية وفقا لمدى بعده عن الطابع الوجداني الذي نسعى إلى تقريره كطابع حاسم للفن الشعري الذي لا تزال الإنسانية تنتجه حتى اليوم، وهو فن الشعر الغنائي الذي طفا على وجه الزمن ولم يستطع موجه أن يبتلعه كما ابتلع من قبل شعر الملاحم وشعر التمثيليات، وكان السبب الأساسي في الإفلات من طوفان الزمن هو إشباعه لحاجة إنسانية خالدة ما خلد الإنسان، وهي الحاجة إلى التعبير عن الوجدان البشري.
وإذا كان شاعرنا خليل مطران قد كان له أكبر الفضل خلال نهضتنا الشعرية الحديثة في تطوير فن الوصف الشعري من الوصف الحسي إلى الوصف الوجداني مجاراة للتطور الإنساني العام؛ فإن شاعرنا الآخر عبد الرحمن شكري قد كان له أكبر الفضل في تطوير شعر الفكرة إلى شعر التأمل الوجداني والاستبطان الذاتي، فعبد الرحمن شكري قد يلوح شعره عند النظرة السطحية الأولى من شعر الفكرة والتفلسف، ولكننا عند إمعان النظر فيه لا نلبث أن نتبين أنه قد تطور بهذا النوع من الشعر تطورا واسع المدى، بأن أحاله من تفكير فلسفي إلى تأمل وجداني، واستبطان ذاتي، وتعبير عن موقف النفس البشرية من الحقائق التي نعلمها والحقائق التي نجهلها على السواء، حتى ليصح - بل يجب - أن نسمي شعره بشعر «التأمل الوجداني» على نحو ما سمينا فن الوصف عند مطران بأنه هو الآخر فن الوصف الوجداني. ولعلنا نستطيع أن نضع أيدينا على هذه الخاصية الفريدة في شعر عبد الرحمن شكري بالنظر في القصيدة التي يخاطب فيها المجهول في الجزء الخامس من ديوانه ص31 حيث يقول:
يحوطني منك بحر لست أعرفه
ومهمه لست أدري ما أقاصيه
أقضي حياتي بنفس لست أعرفها
وحولي الكون لم تدرك مجاليه
يا ليت لي نظرة للغيب تسعدني
لعل فيه ضياء الحق يبديه
أخال أني غريب وهو لي سكن
خاب الغريب الذي يرجو تقاصيه
أوليت لي خطوة تدحو مجاهله
وتكشف الستر عن خافي مساعيه
كأن روحي عود أنت تحكمه
فابسط يديك وأطلق من أغانيه
والروح كالكون لا تبدو أسافله
عند اللبيب ولا تبدو أعاليه
وأكبر الظن أني هالك أبدا
شوقا إليك، وقلبي فيه ما فيه
من حسرة وإباء لست أملكه
يأبى لي العيش لم تدرك معانيه
وأنت في الكون من قاص ومقترب
قد استوى فيك قاصيه ودانيه
كأنني منك في ناب لمفترس
المرء يسعى ولغز العين يدميه
كم تجعل العين طفلا حار حائره
ورب مطلب قد خاب باغيه
لو النبال نبال القوس مصمية
كنت ادريت بسهم القوس أرميه
أو كان للسحر سهم نافذ أبدا
لكان لي منه سهم صال راميه
يا مصلت السيف قد فلت مضاربه
ورامي السهم قد خابت مراميه
قلبي يحدثني ألا يليق به
رضى بجهل ذليل اللب يرضيه
قد ثار ثائر نفس عز مطلبها
وطار طائر لب في مراقيه
كالنسر لا حاجب للشمس يحرقه
ولا الصواعق والأرواح تثنيه
وأنت كالليل والأفهام حائرة
مثل العيون علاها منك داجيه
ليل مهيب كموج البحر حندسه
تكاد تسمع منه صوت طاميه
فليتهن خفافيش تلوح لها
مجاهل الحق خافيه وباديه
بل ليت لي فكرة كالكون واسعة
أدحو بها الكون تبدو لي خوافيه
ليس الطموح إلى المجهول من سفه