ما أنس لا أنس خبازا مررت به
يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفه كرة
وبين رؤيتها قوراء كالقمر
إلا بمقدار ما تنداح دائرة
في لجة الماء يلقى فيه بالحجر
ففي هذه الأبيات الثلاثة استطاع ابن الرومي أن يصور صانع الرقاق في أوضاعه المتلاحقة؛ أي في لمحات متتابعة في الزمن لا في وضع مكاني محدد على نحو ما تستطيع عادة الفنون التشكيلية.
وارتكازا على هذا التمييز البادي الوجاهة حاول «لسنج» في كتابه أن يحدد مجالات الفنون المختلفة، ويفصل بينها بحيث لا ينبغي أن يجازف فن منها بالخروج من مجاله إلى مجال آخر يتخلف فيه، ولكن أساس البحث لم يلبث أن تغير، فلم يعد يجري في تحديد المجالات الفنية بل في خصائص كل فن وممكناته حتى داخل المجال الواحد، فالفنون التشكيلية مثلا تستطيع أن تلتقط لمحة في المكان لتصورها، كما يستطيع فن الشعر أن يلتقط اللمحة نفسها، ومع ذلك يختلف مضمون أحدهما عن مضمون الآخر، وإذا كان تاريخ الشعر بخاصة والفنون عامة يوحي بأن كل فن قد حاول أن يغتصب خصائص الفن الآخر وإمكانياته حتى قيل - كما سبق أن أوضحنا - إن الشعر رسم ناطق والرسم شعر صامت، فإن مضمون كل من الفنين قد أخذ يتحدد بعد ذلك على نحو يلوح لنا اليوم حاسما، فالشاعر لم يعد يطمح إلى تجسيم الموصوفات كما كان يريد «البرناسيون» وأنصار الفن للفن، بل أخذ يحصر همه في أن يعبر عن وقع الموصوفات في نفسه وتفاعلها مع وجدانه، وكأن الوصف قد صار ضربا من شعر الوجدان لا ضربا من المحاكاة الجمالية، حتى ليلوح لنا أحيانا كثيرة أن الشاعر الحديث لا يلجأ إلى الوصف للتجسيد الحسي، بل كمحك للوجدان وامتزاج بالطبيعة وتجاوب معها وانفعال بها قد يصل إلى حد الحلول الشعري؛ أي إلى حد فناء الشاعر في الطبيعة وامتزاجه بها وخلع وجدانه عليها على نحو ما قال بودلير «إن الأشياء تفكر خلالي، كما أفكر خلالها.» ولعلنا نستطيع أن نجد مثلا رائعا لهذا الوصف الوجداني الذي يصل إلى حد الحلول الشعري في إحدى روائع أدبنا العربي الحديث وهي قصيدة «المساء» التي قالها شاعرنا الكبير خليل مطران في صدر شبابه سنة 1902 وهو مريض بمكس الإسكندرية، ومطلعها:
داء ألم حسبت فيه شفائي
من صبوتي فتضاعفت برحائي
وفيها يقول:
إني أقمت على التعلة بالمنى
في غربة قالوا تكون دوائي
إن يشف هذا الجسم طيب هوائها
أيلطف النيران طيب هواء
أو يمسك الحوباء حسن مقامها
هل مسكة في البعد للحوباء
عبث طوافي في البلاد وعلة
في علة منفاي لاستشفاء
متفرد بصبابتي متفرد
بكآبتي متفرد بعنائي
شاك إلى البحر اضطراب خواطري
فيجيبني برياحه الهوجاء
ثاو على صخر أصم وليت لي
قلبا كهذي الصخرة الصماء
ينتابها موج كموج مكارهي
ويفتها كالسقم في أعضائي
والبحر خفاق الجوانب ضائق
كمدا كصدري ساعة الإمساء
تغشى البرية كدرة وكأنها
صعدت إلى عيني من أحشائي
والأفق معتكر قريح جفنه
يغضي على الغمرات والأقذاء •••
يا للغروب وما به من عبرة
للمستهام وعبرة للرائي
أوليس نزعا للنهار وصرعة
للشمس بين جنازة الأضواء
أوليس طمسا لليقين ومبعثا
للشك بين غلائل الظلماء
أوليس محوا للوجود إلى مدى
وإبادة لمعالم الأشياء
حتى يكون النور تجديدا لها
ويكون شبه البعث عود ذكاء
ولقد ذكرتك والنهار مودع
والقلب بين مهابة ورجاء
وخواطري تبدو تجاه نواظري
كلمى كدامية السحاب إزائي
والدمع من جفني يسيل مشعشعا
بسنى الشعاع الغارب المترائي
والشمس في شفق يسيل نضاره
فوق العقيق على ذرى سوداء
مرت خلال غمامتين تحدرا
وتقطرت كالدمعة الحمراء
فكأن آخر دمعة للكون قد
مزجت بآخر أدمعي لرثائي
وكأنني آنست يومي زائلا
فرأيت في المرآة كيف مسائي
ففي هذه القصيدة يشكو الشاعر ألمه ويحن لحبيبته، ويصف مشاهد الطبيعة في مكس الإسكندرية، ولكن الوصف عنده كشاعر حديث أبعد ما يكون عن الوصف الحسي الذي ألفناه في شعرنا العربي القديم؛ إذ أصبح ما يمكن أن نسميه بالوصف الوجداني؛ أي الوصف الذي يمتزج فيه الشاعر بالطبيعة ويتبادل وإياها ألوان وجدانه حتى لكأنه قد حلت به وحل بها، فرياح البحر الهوجاء صدى لاضطراب خواطره، والصخرة الصماء ينتابها موج كموج مكارهه، والبحر خفاق الجوانب ضائق كمدا كصدر الشاعر ساعة الإمساء، وكدرة البرية صاعدة إلى عينيه من الأحشاء، والأفق معتكر قريح الجفن، وهو يرى خواطره بعينيه كدامية السحاب، والدمع يسيل من جفنه مشعشعا بسنى الشعاع الغارب، والشمس في انحدارها الأخير بين السحاب كأنها آخر دمعة للكون تمتزج بدموع الشاعر لترثيه، ومن كل هذا تتكون المرآة التي يرى فيها الشاعر نفسه وترى فيها الطبيعة نفسها، وبذلك يتم التقابل بين الطبيعة والوجدان ويبرز حتى في هذا المجال الطابع الوجداني الذي أصبح - ونرجح أن يظل - الطابع الأساسي للشعر الغنائي كله من حيث مضمونه.