لا تسمع الآذان في جنباته
إلا ترنم ألسن العيدان
أو صوت تصفيق الجليس ونقره
وبكاء راووق وضحك قناني
فيحتسونها صرفا مملوءة من شراب سائغ ذهبي الجلباب، لؤلؤي النقاب، يورد ريح الورد، ويحكي نار إبراهيم في اللون والبرد.
حمراء رصعها الخباب بجوهر
كالزهر في مرج من العقيان
والله لو عقل المجوس لكأسها
جعلوه بيت عبادة النيران
يطوف بها سقاة بأيديهم أقداح، تفتح أبواب الأفراح، ما منهم إلا كل غزال أهيف. يفتر ثغره عن لؤلؤ رطب وعن قرقف. قد نقش العذار فص وجهه. وأحرق فضة خده. صبيح وسيم. تعرف فيه نضرة النعيم. مشرق بالأنوار. تحج إلى كعبته الأبصار. يترقرق فيه ماء الصبا. ويخفي من لمعه بروق الصبا. نزهة المشتاق، ومرآة لوجود العشاق، سمهري القوام لين القد. إذا نطق أخرج جواهر الكلام من بين شفاه كورق الورد. كأن الراح من خده معصورة. وملاحة الصورة عليه مقصورة. تتعطف الأغصان سجدا لعطفه. ويسقي بطرفه أضعاف ما يسقي بكفه.
ساق كبدر دجي يسعى بشمس ضحى
بين الندامى يفوق الغصن إن خطرا
فاعجب لشمس أضاءت من يدي قمر
والشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا
يتهادى في مشيته كالطاووس، فينفي عن القلب البؤوس. ويميل كالغصن الرشيق؛ ليملأ للندماء كاسات رحيق كالحريق.
جالها على الندمان فاحمر لونها
لخجلتها عند البروز من الخدر
وصب عليها الماء فاصفر لونها
ويحسن عند الملتقى وجل البكر
ويناول للشاربين نقلا على الراح. من مسكر الفاكهة أو التفاح النفاح.
الراح تفاح جرى ذائبا
كذلك التفاح راح جمد
فاشرب على جامده ذوبه
ولا تدع لذة يوم لغد
فيتلذذ الحضور بالمسموع والمشموم. والمشروب والمطعوم. والاكتفاء بتمتيع النظر إلى الوجوه الحسان. واستنشاق الورد والنرجس والبنفسج والريحان.
مليك الورد وافى في جيوش
من الأزهار في الخلل البهية
فوافته الأزاهر طائعات
لأن الورد شوكته قوية
وبين ذلك قريض ينشد وملح ونوادر، ومجامر الند تملأ الفضاء بعبير شذاها العاطر. وقمر يبتسم للكون ويتطلع كالحسناء من خلف الغمام. والنيرات السواطع منتثرة حوله كحاشيته وهو بينهم البدر التمام.
على رسل فما لك من مجار
إلى رتب العلاء ولا رسيل
ولم يزل أولئك القوم بين كمنجة وقانون. وعود وأرغنون، وناي مرقص مطرب. وشاد معجب مغرب. وساق فاتن ودهر موات. وأمر مستمع أقول: خذ وهات. وشمس تدور. على نجوم وبدور. وهم يتمتعون بالملذات في هذا القصر. حتى مطلع الفجر. فيسرح سوام البصر. بين الماء والخضر، إذا محي الليل وارتفعت الحجب. وبدا النهار فباخت نار الشهب. واقتنص بازي الضوء غراب الظلام. وفض كافور النور عن الغسق مسك الختام. وظهر وجه النير الأعظم. والسراج الوهاج المقدم. كأنه جذوة أو قطعة من دينار. أو كأس ستر بعضه الحباب. أو حسناء غطت وجهها بنقاب. ثم كشفت أستارها, ألقت على الأفق أنوارها.
وكأنها عند انبساط شعاعها
تبر يذوب على فروع المشرق
فضحك لها الزهور في الأكمام. والغصون ترقص على غناء الحمام. فنثر حال اهتزازها من طيب الأزهار. ما يتضوع أريجه في الفضاء وينشر عرقه المعطار.
قد أتينا الرياض حين تخلت
وتحلت من الندى بجمان
ورأينا خواتم الزهر لما
سقطت من أنامل الأغصان
وإذا ما أرجع البصر. إلى جهات أخر. وجد مرج أفسح من أمل حريص طامع. في جاه غني كريم نافع. وأنزه للأبصار والبصائر. من غض شباب زاه زاهر . ساعده الدهر بعافية ومال وافر. روائحه ألطف من نسيم السحر. ورواشح مائه أعذب من ماء الحياة صفاء بلا كدر. وتغاريد طيوره ألذ في السماع من ثناء الناي على الوتر. والرعابيب تمرح مع أسراب الغزلان. بين غياض النسرين والآس والأقحوان. والسواقي تجرها صفر البقر. بين خرير الماء وحفيف الشجر. فينحدر ماؤها بين الجداول والحياض. ويلتوي ليسقي المزارع والرياض.
في ربيع الوصل لما