تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

============================================================ وخاف من غائلة ذلك، واستخدم الإنكلتير الجمالين على الجمال ، والخربندية(1) على البغال، والساسة على الخيل، وأقبل الملعون وقد قويت نفسه، وصمم على محاصرة القدس الشريف، وأرسل إلى ملوك الفرنج الذين بالساحل، فاستحضرهم ومن معهم من المقاتلة، فتهيأ السلطان لذلك، واكمل السور، وعمق الخنادق، ونصب الآلات والمنجنيقات ، وأمر بتغوير جميع الماء الذي حول القدس؛ ليبقى المشركون على غير ماء وأحضر السلطان جميع الأمراء ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الأخرة، ونيهم أبو الهيجاء السمين، والمشطوب، والأسدية بكمالهم، فاستشارهم السلطان فيما قد دهمهم من هذا الأمر الفظيع الموجع المؤلم ، فأفاضوا في الكلام، وأشار كل برأي، وأشار العماد الكاتب بأن يتحالفوا على الموت عند الصخرة كما فعلت الصحابة رضوان الله عليهم، فأجابوا إلى ذلك : هذذا كله والسلطان ساكت واجم مفكر، فسكت القوم كأنما على رؤوسهم الطير، ثم قال : الحمد لله، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، اعلموا أنكم جند الإسلام اليوم ومنعثه، وأنتم تعلمون أن دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم معلقة في ذممكم، وأن هذا العدو ليس هنا من يلقاه ويقاتله من المسلمين غيركم ، فإن لويتم أعشكم - والعياذ بالله - طوى البلاد كطي السجل للكتاب، وكان جميع ذلك في ذمتكم ، ويصير كأنكم أنتم الذين قصدتم لهاذا كله، وأعاذكم الله من ذلك، وأنتم الاكلون لبيت مال المسلمين، فالمسلمون في سائر البلاد معلقون بكم، والسلام فانئدب لجوابه سيف الدين المشطوب، وقال : يا مولانا، نحن مماليكك وعبيدك وأنت الذي أنعمت علينا وكرمتنا وعظمتنا وأعطيتنا وأغنيتنا، وليس لنا إلا رقابنا، وهي بين يديك، والله؛ ما يرجع أحد عن نصرة الإسلام حتى نموت.

فقال الجماعة مثل ما قال، ففرح السلطان بذلك، وطاب قلبه، ومد لهم سماط(2) حافلا، وانصرفوا من بين يديه على ذلك وكان قد أقام من الجمعة إلى الأحد لم يتناول من الغذاء إلا شيئا يسيرا جدا، كل ذلك اهتماما بأمر المسلمين رحمه الله (1) مم المكارون ، مفردها المكاري : الذي يكري دابته ؛ أي : يؤجرها .

(2) الساط : ما يوضع عليه الطعام

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب · الجزء ٣ · الصفحة ٧٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألبابج ٣ · ص ٧٣٢