============================================================ وانصرفت همته عنه ، واستقل بجهاد الكافرين ( وكان آمر الله قدرا مقدودا) وفيها : اتخذ الملك نور الدين الحمام الهوادي ، وذلك لامتداد مملكته واتساعها؛ فإنها من حد النوبة الى همذان لا يتخللها إلا بلاد الفرنج لعنهم الله، وكلها تحت قهره وهدنته فلذلك اتخذ في كل قلعة وحصن الحمام التي تحمل الرسائل إلى الافاق في أسرع مدة وأيسر عدة، وما أحسن ما قال فيهن القاضي الفاضل (1) : الحمام ملائكة الملوك : فكانت الأخبار تأتيه لوقتها ؛ لأنه رتب في كل ثغر رجالا لذلك، فإذا سمعوا أمرا..
كتبوه لوقته وعلقوه على الطائر، فيصل في ساعته، فينقل الرقعة منه إلى الطائر الآخر، وهذكذا إلى أن يصل إلى نور الدين .
فحفظت البلاد بذلك، حتى إن طائفة من الفرنج قصدوا ثغرا له، فلما أشرفوا عليه..
بلغه الخبر في يومه، فكتب إلى العساكر المجاورة لذلك الثغر بالاجتماع والمسير إليهم بسرعة، وكبس العدو، ففعلوا ذلك فظفروا بهم، والفرنج كانوا قد أمنوا لبعد نور الدين عنهم، فرحمه الله، ما كان أحسن نظره للرعايا والبلادا وفي سنة ثمان وستين [وخمس مثة] فيها : حاصر الملك صلاح الدين الكرك والشوبك ، فضيق على أهلها ، وخرب أماكن كثيرة، وللكن لم يظفر بها عامه ذلك.
وفيها : اجتمعت الفرنج بالشام لأخذ زرع، فوصلوا إلى شمسكين(4)، فبرز إليهم الملك نور الدين، فهربوا منه إلى العراد، فبعث خلفهم سرية، فقتلوا خلقا كثيرا منهم، وغنموا، ورجع باقي الفرنج خائبين، ولله الحمد والمنة وفيها : أرسل الملك صلاح الدين أخاه شمس الدولة تورانشاه إلى بلاد النوبة فافتتحها، واستحوذ عليى معقلها، وهو حصن يقال له : أبريم، ثم استخلف على الحصن المذكور رجلا من الأكراد، وانضاف إليه جماعة من الأكراد البطالين ، فكثرت أموالهم، وحسنت (1) عبد الرحيم بن علي بن السعيد اللخمي، كان سريع الخاطر، كثير الرسائل، فيل: لو جمعت رسائله وتعليقاته لم تقصر عن مثة مجلد، توفى رحمه الله تعالن سنة (596ه-1200م) (2) زرع وشمكين : قريتان في حوران، لعل الأولي تسمى اليوم : إزرع، والثانية : الشيخ مسكين، والله اعلم.