============================================================ ترقن روحي بأجنحة الشوق إليك، فأناجيك بين رياض بهائك، وأنظر إلى وجهك الكريم الباقي يا ذا الجلال والاكرام.
قال: ثم بكي حتى سمعت لدموعه وقعا على الحصى كوقع البرد، ثم ضحك وقهقه وض قال ذو النون : فتبعته، وقلت : عارف، ولم أزل أتبعه إلى أن دخل خرابات مكة، فالتفت إلي وقال : ما لك ؟ ارجع يا ذا النون عني ، فقلت له : ناشدتك الله إلا ما وقفت لي، فوقف وقال : ويحك يا ذا النون! أما لك من شغل ؟1 ثم قال : استغفر الله، فقلت : ما اسمك رحمك الله ؟ قال : عبد الله، قلت : قد علمت أن أهل السماوات والأرض كلهم عبيد الله عز وجل، فقال : سماني أبي سعدون، قلت : المعروف بالمجنون ؟ قال : نعم، قلت : كيف علمت أني ذو النون ؟ فقال : كنت واقفا على يمين الخضر وهو على يمين إلياس، فقالا : هذا ذو النون ، قلت : ومن القوم الذين ذكرتهم ؟
فقال : أولئك قوم ساروا إلى الله عز وجل سير من قد نصبت المحبة بين أعينهم، وتجردوا تجرد من قد أخذ الزبانية بحقوهم(1)، وأحجب النار من أجلهم : فقلت : إن العارف ليبكي، وإن البكاء لين شأنه، فكيف ضحكت؟ فقال : نعم، والضحك والقهقهة من شأن العارف أيضا ، الا ترى إلى قوله سبحانه وتعالى : ( وأنههو آضحلك وأتكن ؟ .
قلت له : فأي المقامات أفضل وأعلى؟ فقال : المعرفة بالله عز وجل هي الأصل الثابت، وعنها تتشا المقامات.
ثم قال : يا ذا النون؛ بلغني أنك تقول شيئا ، فقل حتى أسمع شيئا في أسباب المعرفة، فقلت : أنت الذي نقتبس من علمك، ثم فارقني ومضى وقال مؤلقه محمد بن الحسن - هنا الله عنهما - : قيل : كان سعدون رحمه الله يجن ستة اشهر ويفيق ستة أشهر، فإذا هاج.. صعد السطح بالليالي، ويقول بصوت رفيع : يا نيام؛ تبهوا من رقدة الغفلة قبل انقطاع المهلة، واعلموا بأن أعمالكم محفوظة، وآجالكم منقوصة، والموت يأتي بغتة.
(1) الحقو : معقد الإزار، تشدهم الزبانية منه 513