تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

============================================================ الملأ، ولا يكون حضور الغير هو السبب في حضور هذذا الخاطر، كما لا يكون حضور البهيمة سببأ، فما دام يفرق في آحواله بين مشاهدة إنسان ومشاهدة بهيمة.. فهو بعد ما وصل إلى صفو الإخلاص، وباطنه مدنس بالشرك الخفي من الرياء ، والشرك أخفى في قلب ابن آدم من دبيب التملة السوداء في الليلة الظلماء كما ورد به الخبر: ولا يسلم من الشيطان إلا من دق نظره، وسعد بعصمة الله سبحانه وتعالى وتوفيقه وهدايته، وإلا. فالشيطان ملازم للمتشمرين في العبادة لا يغفل عنهم لحظة حتى يحملهم على الرياء في كل حركة من الحركات، حتى في كحل العين، وقص الشارب، وطيب يوم الجمعة، ولبس الثياب، فان هذذه سنن في أوقات مخصوصة، وللنفس فيها حظ خفي؛ لارتباط نظر الخلق بها ، ولاستثناس الطبع بها، فيدعوه الشيطان إلى فعل ذلك، ويقول : هلذه سنة لا ينبغي أن تتركها، ويكون انبعاث القلب لها في الباطن لأجل تلك الشهوات الخفية، أو مشوبة بها شوبا يخرج عن حد الإخلاص بسببها.

وكل ما لم يسلم من هذه الآفات كلها لا يكون خالصا، فإن من يعتكف في مسجد معمور نظيف يأنس الطبع به.. فالشيطان يرغبه فيه ويكثر عليه من فضائل الاعتكاف، ويكون الباعث الخفي في سره هو الأنس بحسن صورة المسجد واستراحة الطبع، ويتبين ذلك بميله الى أحد المسجدين إذا كان أحدهما أحسن من الآخر: وكل ذلك امتزاج بشوائب الطبع وكدورات النفس ، ومبطل لحقيقة الإخلاص، ولا شك أن الغش الذي يمتزج بالذهب درجاته متفاوتة، فمنها : ما يغلب، ومتها : ما يقل وللكن يسهل دركه، ومنها: ما يدق عن معرفته بحيث لا يدركه إلا الناقد البصير، ودغل (1) الشيطان وخبث النفس أغمض من ذلك وأدق كثيرا.

ولهذا قيل : ركعتان من رجل عالم.. أفضل من عبادة سنة من جاهل، وأريد بالعالم : العالم البصير بدينه وبدقائق آفات الأعمال حتى يخلص عنها؛ فإن الجاهل نظره إلى ظاهر العبادة والاغترار بها كنظر السوادي (4) إلى حمرة الدينار الممؤه واستدارته ، وهو مغشوش زائف في نفسه، وقيراط من الخالص الذي يرتضيه الناقد البصير خير من دينار يرتضيه الغر الغبي (1) الدقل: الفساد.

(2) السولدي : القوري

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب · الجزء ٣ · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألبابج ٣ · ص ٥١