تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

============================================================ واعلم : أنه لا حسنة أعظم من نشر العلم وتعلمه وتعليمه وتدويته ؛ فانه مما يدوم نفعه، ويبقن على ممر السنين، ويتعدى الى خلاثق، فلا شيء يعدل ذلك إذا صحت النية فيه كما تقدم وظهر أيضا بأن السرور بالحسنة والاغتمام بالسيئة.. إحدى خصال الإيمان بنص ر سول الله صلى الله عليه وسلم وأما ما يروى عن الإمام سفيان الثوري رحمه الله وأحمد ابن أبي الحواري من غسل كتبهم أو دفنها.. فأقول : أولا : آما سفيان : فإنه لا يصح ذلك عنه بطريق صحيح معتبر، وقد تتبعت سيرته أشد التتبع، فلم أجد في ذلك طريقا صحيحا أنه فعل ذلك .

وأما على تقدير الصحة.. فله اعذار، منها: أنه حدث عن قوم ضعفاء ومدلسين، ولم يتبين له أمرهم إلا بعد ذلك، فاختلط بعض حديثه بشيء من ذلك، فدفن تلك الكتب المختلطة كلها لا غير، وهذذا عذر مؤغ، بل يجب عليه ذلك، وهو - رحمه الله- كان بالمحل العالي من العلم والورع ، عارفا بما يأتي وبما يذر، وناهيك به جلالة وعلما وورعا واضطلاعل(1)، فإنه عالم الأمة وعابدها، وسنذكر في ترجمة أحمد ابن أبي الحواري إن شاء الله تعالى الجواب عن غسل كتبه في الفرات، ونستدل لما فعله بأدلة كثيرة، ويتبعها أيضا أدلة لما فعله سفيان بتقدير صحة النقل عنه، والله سبحانه وتعالى أعلم . انتهن وعن المازني رحمه الله قال : فقدت بشر بن الحارث، فسألت عنه، فقيل: إنه عليل، فدخلت عليه فوجدت عنده جماعة وهو في حالة شديدة من الفاقة، فقلت له : يا أبا نصر؛ أنت لا تسأل الناس من دنياهم، وإن أعطوك.. لم تأخذ منهم، فهم بي أصحابه يزجروني، فكفهم عني وقال : يا هذذا ؛ الفقراء ثلاثة: -فقير لا يسأل الناس شيئأ من دنياهم ، وإن أعطي. . لم يأخذ، فذاك في حضرة القدس يوم القيامة -وفقير لا يسأل، وإن أعطي. . يأخذ، فذاك تحت ظل عرش الرحمان جل جلاله يوم لا ظل إلا ظله.

(1) اضطلع : من الضلاعة، وهي القوة .

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب · الجزء ٢ · الصفحة ٥٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألبابج ٢ · ص ٥٩٣