أما ما وعد الله المتقين من جنة عرضها السموات والأرض لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، فكانت قريش في ريب منها. وكان يزيدها ريبا تعلقها بالعاجلة، وحرصها على أن ترى هذا النعيم محققا لها في حياة هذا العالم، وضيقها بالانتظار إلى يوم الجزاء، على حين لم تكن هي تؤمن بيوم الجزاء.
ولقد يأخذ الإنسان العجب كيف أقفلت قلوب العرب دون تصور الحياة الأخرى والجزاء فيها، في حين تدور رحى المعركة بين الخير والشر في هذا العالم الإنساني منذ الأزل، لم تعرف يوما هوادة ولا اطمأنت إلى سكينة. كان المصريون القدماء، قبل ألوف السنين من بعث محمد، يزودون الميت زاد الدار الآخرة، ويضعون في أكفانه كتاب الموتى بما فيه من أغنيات ونذر، ويصورون على معابدهم صور الميزان والحساب والتوبة والعقاب، وكان الهنود يصورون رضا النفس الراضية في «النرفانا» وتناسخ روح المسيء في صور من الخلق تتعذب أثناءها ألوف السنين وملايينها، حتى تلهم الحق فتطهر وتعود مرة أخرى إلى الخير طمعا في بلوغ «النرفانا». ولم يكن مجوس فارس لينكروا معركة الخير والشر وآلهة الظلمة والنور. والموسوية والعيسوية تصفان حياة الخلد ورضا الله وغضبه.
أفلم يبلغ هؤلاء العرب شيء من ذلك كله، وقد كانوا أهل تجارة يتصلون في رحلاتهم وأسفارهم بأهل هذه النحل جميعا؟! فكيف لا يبلغهم؟ وكيف لا تكون لهم صورة خاصة منه وهم أهل بادية وأشد اتصالا باللانهاية، وأقرب إلى تصور ما يشتمل عليه هذا الوجود من أرواح تتبدى في لهب الظهيرة وفي غسق الليل! أرواح خيرة وأخرى شريرة! أرواح هي التي يحسبونها تسكن جوف الأصنام التي تقربهم إلى الله زلفى؟! لا ريب أنه كانت عندهم فكرة من هذا الغيب المحيط بهم. لكنهم وهم أهل تجارة كانت نفوسهم أكثر للواقع المحسوس قدرا؛ ولأنهم أهل لهو وخمر كانوا أشد لجزاء الآخرة إنكارا. فكانوا يحسبون ما يلقاه الإنسان في هذه الحياة من خير أو شر جزاء عمله، ولا جزاء عنه بعد الحياة. ولذلك كان أكثر ما نزل من الوحي نذيرا وبشيار قد نزل بمكة في أول الرسالة، حرصا على الخلاص لأرواح هؤلاء الذين بعث محمد بينهم. ولقد كان جديرا بأن ينبههم إلى ما هم فيه من غي وضلالة؛ جديرا بأن يرتفع بهم من عبادة الأصنام إلى عبادة الله الواحد القهار.
في سبيل هذا الخلاص الروحي لأهله وللناس كافة احتمل محمد ومن آمن به من ألوان الأذى وصور التضحية، ومن آلام النفس والجسد، ومن الارتحال عن الوطن، ومن عداوة الأهل والولد، ما مر بك شيء منه. وكأنما كان محمد يزداد لأهله حبا وعلى خلاصهم حرصا كلما ازدادوا إيذاء له ومساءة. ويوم البعث والحساب كان آية الآيات التي يجب أن يتنبهوا لها لتنقذهم من شر وثنيتهم ومن التورط في آثامهم؛ لذلك لم يكن الوحي في السنوات الأولى يفتر عن إنذارهم بها وتفتيح عيونهم عليها، مع أنهم كانوا يمعنون في إنكارها وفي الازورار عنها، مما دعاهم إلى إشعال هذه الحرب الضروس التي لم تهدأ بينهم وبين محمد ثائرتها،
12
حتى تم للإسلام النصر، وحتى أظهر الله دينه على الدين كله.
الفصل الثامن
| من نقض الصحيفة إلى الإسراء
(فرار المسلمين من مكة إلى شعاب الجبل - عدم اختلاطهم بالناس إلا في الأشهر الحرم - قيام زهير وأصحابه في نقض الصحيفة - وفاة أبي طالب وخديجة - إيذاء قريش محمدا - ذهاب محمد إلى الطائف ورد ثقيف إياه - الإسراء والمعراج) ***
ظلت الصحيفة التي تعاقدت قريش فيها على مقاطعة محمد وحصار المسلمين نافذة ثلاث سنوات متتابعة، احتمى محمد وأهله وأصحابه خلالها في شعب من شعاب الجبل بظاهر مكة، يعانون الحرمان ألوانا، ولا يجدون في بعض الأحايين وسيلة إلى الطعام يدفعون به جوعهم. ولم يكن يتاح لمحمد ولا للمسلمين الاختلاط بالناس والتحدث إليهم إلا في الأشهر الحرم، حين يفد العرب إلى مكة حاجين، وحين تضع الخصومات أوزارها، فلا قتل ولا تعذيب ولا اعتداء ولا انتقام. في هذه الأشهر كان محمد ينزل إلى العرب يدعوهم إلى دين الله ويبشرهم بثوابه وينذرهم عقابه. وكان ما أصاب محمدا من الأذى في سبيل دعوته شفيعه عند كثيرين؛ حتى لقد زادهم ما سمعوا من ذلك عليه عطفا، وعلى دعوته إقبالا. وهذا الحصار الذي أوقعته قريش واحتماله إياه صابرا في سبيل رسالته، كسب له كثيرا من القلوب التي لم تبلغ منها القسوة ما بلغت من قلب أبي جهل وأبي لهب وأمثالهما.