وسبب ثالث منع قريشا من متابعة محمد. ذلك فزعهم من البعث ومن عذاب جهنم يوم الحساب؛ فقد رأيتهم قوما مكبين على اللهو مسرفين فيه، ويتخذون من التجارة ومن الربا إليه الوسيلة. ولا يرى الغني منهم في شيء من الأشياء رذيلة يتجافى عنها؛ ثم كان لهم من التقرب إلى أصنامهم ما يزعمون أنه يكفر عن سيئاتهم وذنوبهم. بحسب الرجل أن يضرب القداح عند هبل قبل أن يقدم على أمر ليكون ما تشير به عليه القداح أمر هبل. وبحسبه أن ينحر للأصنام لتمحو الأصنام سيئاته وذنوبه! هو في حل من أن يقتل وينهب ويرتكب الفحشاء ولا يعف عن الخنا ما دام قديرا على رشوة هذه الآلهة بالقرابين والنحور!
وهذا هو محمد يعلن إليهم في آيات مرهبة تنخلع من هولها القلوب وتضطرب الأفئدة أن ربهم لهم بالمرصاد، وأنهم مبعوثون في اليوم الآخر خلقا جديدا، وأن أعمالهم هي وحدها الشفيع لهم.
فإذا جاءت الصاخة * يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه * وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة الفجرة .
6
والصاخة تجيء:
يوم تكون السماء كالمهل * وتكون الجبال كالعهن * ولا يسأل حميم حميما * يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته وأخيه * وفصيلته التي تؤويه * ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه * كلا إنها لظى * نزاعة للشوى * تدعو من أدبر وتولى * وجمع فأوعى ،
7
يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية * فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه * إني ظننت أني ملاق حسابيه * فهو في عيشة راضية * في جنة عالية * قطوفها دانية * كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية * وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه * يا ليتها كانت القاضية * ما أغنى عني ماليه * هلك عني سلطانيه * خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه * إنه كان لا يؤمن بالله العظيم * ولا يحض على طعام المسكين * فليس له اليوم هاهنا حميم * ولا طعام إلا من غسلين * لا يأكله إلا الخاطئون .
8
أتلوت هذا؟! أسمعته؟! ألم يأخذك الهول ويتولك الفزع؟! وليس هذا إلا قليلا مما كان ينذر محمد به قومه. وأنت تتلوه اليوم وقد تلوته وسمعته من قبل مرات. وأنت تعيد إلى ذهنك إذ تتلوه ما في القرآن من تصوير جهنم:
يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ،
9
كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب .
10
يسير عليك وقد داخلك الروع أن تقدر ما كان يتولى قريشا والمترفين منها خاصة، إذ كانوا يستمعون إلى هذا القول بعد إذ كانوا من قبل ما ينذرهم به من العذاب بنجوة في حمى آلهتهم وأوثانهم. ويسير بعد ذلك أن تقدر مبلغ حماستهم في تكذيب محمد ومناوأته والتأليب عليه. فهم لم يكونوا يعرفون البعث، ولم يكونوا يعترفون بما يسمعونه عنه. لم يكن أحدهم ليتوهم أنه مجزي عن عمل هذه الحياة بعد مفارقته الحياة. إنما كان خوفهم من المستقبل في هذه الحياة. كان خوفهم من المرض ومن الإصابة في الأموال والبنين وفي المكانة والجاه. كانت الحياة عندهم غاية الحياة. فكان كل همهم منصرفا لجمع أسباب الاستمتاع فيها ودفع كل ما يخشونه منها.
وإذ كان المستقبل غيبا محجوبا أمامهم. وكانت نفوسهم تحس أن أعمالهم شر قد يصيبهم الغيب من أجله بأذى، فقد كانوا يتفاءلون ويتطيرون: كانوا يستقسمون بالقداح، ويضربون بالحصى، ويزجرون الطير،
11
وينحرون للأوثان؛ كل ذلك يدرعون به مما يخافون من هذا المستقبل القريب في الحياة. أما الجزاء بعد الموت، أما البعث والنشور يوم ينفخ في الصور، أما الجنة التي أعدت للمتقين وجهنم التي أعدت للظالمين، أما ذلك كله فلم يكن يدور بخواطرهم، وذلك كله قد سمعوا به في دين اليهود وفي دين النصارى، ولكنهم لم يسمعوا عنه تصويرا قويا مخوفا كالذي يسمعهم الوحي على لسان محمد، والذي ينذرهم، إن هم ظلوا فيما هم فيه من لهو الحياة أو الاستكثار من المال بظلم الضعيف وأكل مال اليتيم وإهمال المسكين والغلو في الربا، بعذاب خالد في درك سقر تصطك القلوب فزعا من هوله لمجرد سماع صورته، ما بالك به محققا تراه البصيرة جاثما وراء الخطوة الضيقة التي يتخطى الإنسان من جانب الحياة إلى ناحية الموت، بعده البعث والنشور، والرضا أو الثبور؟!