تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد حزن محمد من بعد حين مات ابنه إبراهيم أشد الحزن بعد أن حرم الإسلام وأد البنات. وبعد أن جعل الجنة تحت أقدام الأمهات. فلا ريب إذن أن قد كان لما أصاب محمدا في بنيه ما هو جدير بأن يترك في حياته وتفكيره أثره. ولا ريب في أنه استوقف تفكيره ولفت نظره في كل واحدة من هذه الفواجع ما كانت خديجة تتقرب به إلى أصنام الكعبة، وما كانت تنحر لهبل ولللات والعزى ولمناة الثالثة الأخرى، تريد أن تتفادى مما ألم بها من ألم الثكل، فلا تفيد القرابين ولا تجدي النحور.

وأما البنات فقد عني محمد بتزويجهن من أكفاء لهن: زوج زينب كبراهن من أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس، وكانت أمه أختا لخديجة، وكان فتى مقدرا من قومه لاستقامته ونجاح تجارته، وكان هذا الزواج موفقا على الرغم مما كان بعد الإسلام، حين أرادت زينب الهجرة من مكة إلى المدينة، من فرقة بينهما سترى من بعد تفصيلها. وزوج رقية وأم كلثوم من عتبة وعتيبة ابني عمه أبي لهب. ولم تبق هاتان الزوجتان مع زوجيهما بعد الإسلام؛ إذ أمر أبو لهب ابنيه بتسريحهما، فتزوجهما عثمان واحدة بعد الأخرى، وكانت فاطمة ما تزال طفلة فلم تزوج من علي إلا بعد الإسلام.

حياة طمأنينة ودعة إذن كانت حياة محمد في هذه السنين من عمره. ولولا احتسابه بنيه لكانت حياة نعمة بمودة خديجة ووفائها، وبهذه الأبوة السعيدة الراضية. طبيعي لذلك أن يترك نفسه لسجيتها، سجية التفكير والتأمل، وأن يستمع إلى قومه فيما كان حوارهم يقع عليه من أمور أصنامهم، وما كان النصارى واليهود يقولونه لهم، وأن يفكر ويتدبر وأن يكون أشد من كل قومه تدبرا وتفكيرا. فهذا الروح القوي الملهم، هذا الروح الذي أعدته الأقدار ليبلغ الناس من بعد رسالات ربه ويوجه حياة العالم الروحية الاتجاه الحق، لا يمكن أن يظل مطمئنا إلى ما غرق الناس فيه إلى الأذقان من ضلال، ولا بد أن يلتمس في الكون أسباب الهدى، حتى يعده الله ليلقي عليه ما قدر في الغيب من رسالته. ومن عظيم توجهه إلى هذه الناحية الروحية وشديد تعلقه بها، لم يكن يريد لنفسه أن يكون من طراز الكهان، ولا أراد أن ينصب نفسه حكيما على نحو ما كان ورقة بن نوفل وأمثاله؛ إنما كان يريد الحق لنفسه، فكان لذلك كثير التفكير، طويل التأمل، قليل الإفضاء إلى غيره بما يجيش بنفسه من آثار تفكيره وتأمله.

غار حراء بمكة.

وقد كان من عادة العرب إذ ذاك أن ينقطع مفكروهم للعبادة زمنا في كل عام يقضونه بعيدا عن الناس في خلوة، يتقربون إلى آلهتهم بالزهد والدعاء، ويتوجهون إليها بقلوبهم يلتمسون عندها الخير والحكمة، وكانوا يسمون هذا الانقطاع للعبادة التحنف والتحنث، وقد وجد محمد فيه خير ما يمكنه من الإمعان فيما شغلت به نفسه من تفكير وتأمل، كما وجد فيه طمأنينة نفسه وشفاء شغفه بالوحدة يلتمس أثناءها الوسيلة إلى ما لم يبرح شوقه يشتد إليه من نشدان المعرفة واستلهام ما في الكون من أسبابها. وكان بأعلى جبل حراء - على فرسخين من شمال مكة - غار هو خير ما يصلح للانقطاع والتحنث، فكان يذهب إليه طول شهر رمضان من كل سنة يقيم به مكتفيا بالقليل من الزاد يحمل إليه ممعنا في التأمل والعبادة، بعيدا عن ضجة الناس وضوضاء الحياة، ملتمسا الحق، والحق وحده. ولقد كان يشتد به التأمل ابتغاء الحقيقة حتى لقد كان ينسى نفسه وينسى طعامه وينسى كل ما في الحياة؛ لأن هذا الذي يرى في حياة الناس مما حوله ليس حقا. وهناك كان يقلب في صحف ذهنه كل ما وعى فيزداد عما يزاول الناس من ألوان الظن رغبة وازورارا.

وهو لم يكن يطمع في أن يجد في قصص الأحبار وفي كتب الرهبان الحق الذي ينشد، بل في هذا الكون المحيط به: في السماء ونجومها وقمرها وشمسها، وفي الصحراء ساعات لهيبها المحرق تحت ضوء الشمس الباهرة اللألاء، وساعات صفوها البديع إذ تكسوها أشعة القمر أو أضواء النجوم بلباسها الرطب الندي، وفي البحر وموجه، وفي كل ما وراء ذلك مما يتصل بالوجود وتشمله وحدة الوجود. في هذا الكون كان يلتمس الحقيقة العليا، وكان ابتغاء إدراكها يسمو بنفسه ساعات خلوته ليتصل بهذا الكون وليخترق الحجب إلى مكنون سره. ولم يكن في حاجة إلى كثير من التأمل ليرى أن ما يباشر قومه من شئون الحياة وما يتقربون به إلى آلهتهم ليس حقا. فما هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تخلق ولا ترزق، ولا تدفع عن أحد غائلة شر يصيبه!

حياة محمد · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٦٣