وهذا الخلاف بين القبائل، وهذا التحالف بين لعقة الدم، وهذا الاحتكام لأول مقبل من باب الصفا، يدل على أن السلطة في مكة كانت انحلت، فلم يبق لرجل منها ما كان لقصي ولا لهاشم ولا لعبد المطلب من سلطان. ولقد كان لتنازع بني هاشم وبني أمية السلطان بعد وفاة عبد المطلب أثره في ذلك لا ريب. وكان الانحلال في السلطة جديرا بأن يجر على مكة الأذى، لولا ما كان لبيتها العتيق في نفوس العرب جميعا من تقديس. وأدى انحلال السلطان إلى نتيجته الطبيعية؛ أدى إلى مزيد من حرية الناس في التفكير والجهر بالرأي، وإلى إقدام اليهود والنصارى، ممن كانوا يخافون صاحب السلطان، على تعيير العرب عبادة الأوثان. وانتهى ذلك بكثير من أهل مكة ومن القرشيين أنفسهم إلى أن زال من نفوسهم تقديس الأصنام، وإن ظل أمجاد مكة وسادتها يظهرون لها التقديس والعبادة، ولهؤلاء من العذر ما للذين يرون في الدين القائم وسيلة من وسائل ضبط النظام وعدم تبلبل الأفكار، وفي عبادة الأصنام بالكعبة ما يحفظ على مكة مكانتها الدينية والتجارية. وقد ظلت مكة بالفعل تنعم من وراء هذه المكانة بالرخاء واتصال التجارة، ولكن ذلك لم يغير من زوال تقديس الأصنام في نفوس المكيين.
ذكروا أن قريشا اجتمعت يوما بنخلة تحيي عبد العزى، فخلص منهم أربعة نجيا، هم زيد بن عمرو، وعثمان بن الحويرث، وعبيد الله بن جحش وورقة بن نوفل؛ فقال بعضهم لبعض: «تعلموا والله ما قومكم على شيء وإنهم لفي ضلال. فما حجر نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، ومن فوقه يجري دم النحور؟! يا قوم التمسوا لكم دينا غير هذا الدين الذي أنتم عليه.» أما ورقة فدخل النصرانية، وقيل: إنه نقل إلى العربية بعض ما في الأناجيل. وأما عبيد الله بن جحش فظل فيما هو فيه من الالتباس حتى أسلم ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، وهناك دخل في النصرانية ومات عليها، وأقامت امرأته أم حبيبة بن أبي سفيان على الإسلام حتى صارت من أزواج النبي وأمهات المؤمنين. وأما زيد بن عمرو ففر من وجه زوجه ومن عمه الخطاب. وطوف في الشام وفي العراق ثم عاد ولم يدخل في يهودية ولا نصرانية. وفارق دين قومه واعتزل الأوثان، وكان يقول وهو مستند إلى الكعبة: «اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك لعبدتك به، ولكني لا أعلمه.» وأما عثمان بن الحويرث - وكان من ذوي قرابة خديجة - فذهب على بيزنطة وتنصر وحسنت مكانته عند قيصر الروم، ويقال: إنه أراد أن يخضع مكة لحماية الروم وأن يكون عامل قيصر عليها، فطرده المكيون فاحتمى بالغساسنة في الشام، وأراد أن يقطع الطريق على تجارة مكة، فوصلت إلى الغساسنة هدايا المكيين، فمات ابن الحويرث عندهم مسموما.
تعاقبت السنون ومحمد يشارك أهل مكة في حياتهم العامة، ويجد في خديجة خير النساء حقا: الودود الولود التي وهبت نفسها له، والتي أنجبت له من الأبناء القاسم وعبد الله الملقب بالطاهر وبالطيب، ومن البنات زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة. أما القاسم وعبد الله فلم يعرف عنهما إلا أنهما ماتا طفلين في الجاهلية لم يتركا على الحياة أثرا يبقى أو يذكر؛ لكنهما من غير شك قد ترك موتهما في نفس أبويهما ما يتركه موت الابن من أثر عميق، وترك موتهما من غير شك في نفس خديجة ما جرح أمومتها جرحين داميين. وهي لا ريب قد اتجهت عند موت كل واحد منهما في الجاهلية إلى آلهتها الأصنام تسألها: ما بالها لم تشملها برحمتها وبرها؟
وما بالها لم ترحم قلبها من أن يهوي به الثكل ليتحطم على قرارة الحزن مرة فمرة؟! وقد شعر معها زوجها لا ريب بالألم لوفاة ابنيه، كما حز في قلبه هذا الألم الحي ممثلة صورته في زوجه يراه كلما عاد إلى بيته وجلس إليها. وليس يتعذر علينا أن نقدر عمق هذا الحزن السحيق في عصر كانت البنات يوأدن فيه، وكان الحرص على العقب الذكر يوازي الحرص على الحياة بل يزيد عليه. وبحسبك مظهرا لهذا الألم أن لم يطق محمد على الحرمان صبرا، حتى إذا جيء بزيد بن حارثة يشترى، طلب إلى خديجة أن تبتاعه ففعلت، ثم أعتقه وتبناه، فكان يدعى زيد بن محمد، واستبقاه ليكون من بعد من خيرة أتباعه وصحبه.