تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان محمد خير أسوة في تطبيق الحضارة كما صورها القرآن. وقد رأيت من ذلك خلال هذا الكتاب كيف كان إخاؤه لبني الإنسان جميعا إخاء تاما صادقا؛ كان إخوانه بمكة متساوين وإياه في احتمال البأساء والضراء؛ وكان هو أشد منهم للبأساء والضراء احتمالا، فلما هاجر إلى المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار فيها إخاء جعل له حكم إخاء الدم. وكان إخاء المؤمنين عامة إخاء محبة لإصلاح دعامة الحضارة الناشئة في ذلك العهد؛ وكان يقوي هذا الإخاء إيمان صادق بالله بلغ من قوته أن كان محمد يسمو به إلى الاتصال بالله جل شأنه. وموقفه في غزوة بدر حين ناشد ربه النصر الذي وعده إياه، وجعل يستنجزه هذا النصر، ويذكر له أن فئة بدر إن هزمت لم يعبد، مظهر قوي من مظاهر هذا الاتصال. ومواقفه في غير بدر من المواطن تدل على أنه كان دائم الاتصال بالله في غير الساعات التي ينزل فيها عليه الوحي. وكان اتصاله هذا من طريق إيمانه الصادق إيمانا جعله يستهين بالموت ويقبل عليه ويتمناه. فكل صادق في إيمانه لا يهاب الموت بل يتمناه؛ فلكل أجل كتاب، والناس أينما يكونوا يدركهم الموت ولو كانوا في بروج مشيدة.

وهذا هو الذي جعل محمدا يثبت حين فر المسلمون منهزمين عندما بدأت غزوة حنين، ويدعو الناس إليه غير آبه للموت المحيط به وبالعدد القليل الذين ثبتوا معه. وهذا الإيمان هو الذي جعله يعطي عطاء من لا يخشى فاقة، ويبر اليتيم وابن السبيل وكل بائس وكل محروم، ويسمو إلى ذروة ما دعا إليه كتاب الله من فضائل. ذلك كله، واحتذاء المسلمين مثاله في الصدر الأول، جعل الإسلام يسرع إلى الانتشار في العقود الأولى من السنين التي تلت اختيار الله نبيه إلى جواره؛ وينتشر لينتشر في كل قطر رفرفت عليه أعلامه أسمى ما قررته هذه الحضارة، ولينشئ بذلك من هذه الأمم المنحلة المتهدمة شعوبا قوية ودولا ذات بأس تقبل على العلم وتصل من طريقه إلى الاتصال بكثير من أسرار الكون، وتبدع لذلك في الحياة من المنشآت ما تفاخر به هذا العصر الحاضر الذي يزعمونه عصر النور والعلم، من غير أن يجني على سعادة الإنسانية بسبب عبادة المادة وضعف الإيمان بالله.

وإنما اندست في الحضارة الإسلامية أهواء الشعوبية والإسرائيليات، كما اندست في غيرها من الحضارات؛ لأن طائفة من العلماء الذين يجب عليهم أن يكونوا ورثة الأنبياء، قد آثرت السلطان على الحق، والجاه على الفضيلة؛ فاتخذت من علمها وسيلة تضلل بها سواد الناس وناشئتهم، كما يضلل كثيرون من علماء هذا العصر سواد أهله وناشئته. هؤلاء العلماء هم أنصار الشيطان، وهم لذلك أثقل الناس تبعة أمام الله. وأول واجب على كل عالم مخلص حقا لعلمه ولله أن يحاربهم وأن يستأصل بذور فسادهم؛ لأنهم يفتنون الناس عن الحق والهدى ويضلونهم عن سواء السبيل. وإذا جاز أن يكون لهؤلاء العلماء المضلين مجال حيث تقتتل الكنيسة والعلم على السلطان في الغرب، فلا مجال لهم في البلاد الإسلامية حيث تزاوج الحضارة بين الدين والعلم، وحيث يكون الدين بغير علم كفرا، والعلم بغير دين تجديفا. ولو أن العالم استظل بحضارة الإسلام على ما صورها القرآن، ولم تجن عليه فتوح المغول وغيرهم ممن دخلوا في الإسلام ولم يعملوا بمبادئه ولا عملوا على نشرها، بل اتخذوه وسيلة لحكم سواد المسلمين على مبادئ تناقض مبادئ الإخاء الإسلامي، لتبدل الأمر في العالم غير الأمر، ولنجت الإنسانية من كثير مما ترزح اليوم تحته من أهوال الشقاء.

وإني لواثق أن تسود الحضارة التي صورها القرآن العالم إذا قام جماعة من العلماء يدعون إليها على طريقة علمية بعيدة عن الجمود والتعصب. فهذه الحضارة تخاطب القلب كما تخاطب العقل، وتكفل إقبال الناس من كل الأمم عليها إقبالا لن تستطيع مطامع أصحاب المطامع صده. ولا يطلب إلى هؤلاء العلماء أكثر من أن يكونوا مؤمنين حقا، يدعون الناس إلى الله وإلى هذه الحضارة مخلصين له الدين حنفاء. يومئذ يسعد الناس بالإخاء في الله كما سعدوا به في عهد النبي.

حياة محمد · الصفحة ٢٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٢٤٨