ومن ثم نرى الاشتراكية في الإسلام ليست اشتراكية المال وتوزيعه، وإنما هي اشتراكية عامة أساسها الإخاء في الحياة الروحية، وفي الحياة الخلقية، وفي الحياة الاقتصادية. وإذا كان المرء لا يكمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فالمرء لا يكمل إيمانه إذا لم يحض على طعام المسكين ولم ينفق للخير العام مما رزقه الله سرا وعلانية. وكلما ازداد المرء إيثارا على نفسه كان أقرب إلى الله وأدنى إلى رضاه، وكانت نفسه أكثر طمأنينة وقلبه أشد غبطة. وإذا كان الله قد جعل الناس بعضهم فوق بعض درجات، وكان يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر فإن الناس لا صلاح لهم إلا إذا وقر صغيرهم كبيرهم، ورحم كبيرهم صغيرهم، وأعطى غنيهم فقيرهم، ابتغاء وجه الله وشكرا لله وتحدثا بنعمته.
ما أحسبنا في حاجة إلى ذكر ما جاء في القرآن من تفاصيل النظام الاقتصادي في المواريث والوصية والعقود والتجارة وما إليها؛ فمحاولة الإشارة أوجز الإشارة إلى ما جاء فيه من هذه الشئون الفقهية ومن الشئون الاجتماعية، تقتضي عدة فصول كهذا الفصل. وحسبنا أن نذكر أن ما ورد فيه من ذلك لم يرد إلى اليوم ما هو خير منه في أية شريعة من الشرائع. بل إن الإنسان لتأخذ منه الدهشة كل مأخذ حين يجد بعض تفاصيل، كالكتابة في الدين إلى أجل مسمى إلا أن تكون تجارة، وكإرسال الحكمين إذا وقع الشقاق بين الزوجين خيفة الفرقة، وكالقيام بالإصلاح بين طائفتين اقتتلوا، ومقاتلة الطائفة التي تبغي ولا ترضى الصلح حتى تفيء إلى أمر الله - تأخذ الإنسان الدهشة إذ يرى هذه الأمور، ويوازن بينها وبين ما ورد في الشرائع المختلفة، فإذا أحسن التشريع ما وافق هذه القواعد التي وضعها القرآن. فلا عجب إذن - وما ذكرنا عن الربا وعن الاشتراكية الإسلامية هو أساس النظام الاقتصادي المصور في القرآن، وهذه التفاصيل التشريعية هي خير ما وصل التشريع إليه في مختلف العصور - أن تكون الحضارة الإسلامية هي الحضارة الجديرة بالإنسانية الكفيلة حقا بإسعادها.
ربما ذهب بعض كتاب الغرب - بعد اطلاعهم على ما قدمنا من تصوير القرآن للحضارة وأساسها - إلى أن طبيعة الإنسان لا تألف هذا النظام الذي يكلفها من السمو إلى ما فوق فطرتها ما لا تطيق، وأن نظاما ذلك شأنه ليس مقدورا له أن يحيا أو أن يطول بقاؤه. فالإنسان في رأيهم إنما يحركه الخوف والرجاء، وتحركه الأهواء والشهوات، شأنه في ذلك شأن الحيوان، وهو بعد حيوان ناطق، فحمل الإنسانية على الأخذ بنظام كالذي صوره الإسلام للحضارة أمر غير مستطاع، أو هو على الأقل غير ميسور. وغاية ما نطيق في نظم هذه الحياة للجماعة الإنسانية أن نهذب الشهوات، وأن نحسن توجيه فكرة الخوف والرجاء من الناحية الاقتصادية المادية البحتة. فأما ما وراء ذلك فأمر لا قبل للجماعة به. ولعل الدليل عندهم على ذلك أن النظام الإسلامي - على النحو الذي صوره القرآن وحاولت إيجازه هنا - لم يستقر في الجماعة الإسلامية نفسها إلا أيام النبي وفي الصدر الأول، ولو أن النظام كان صالحا للحياة لاستقر في تلك الجماعات الإسلامية الأولى ولانتشر منها في أنحاء العالم. أما وذلك لم يحدث، بل حدث نقيضه، فالزعم بأن هذا النظام أجدر بالإنسانية وأكفل بسعادتها زعم لا يصدقه الواقع.
ويكفي لإدحاض هذا الاعتراض اعتراف أصحابه بأن النظام الإسلامي قام وطبق في عهد النبي وفي الصدر الأول. ولقد كان محمد خير أسوة في تطبيقه. واتبع خلفاؤه الأولون أسوته الحسنة وساروا بهذا النظام إلى حيث يجب أن يبلغ كماله. لكن الدسائس والأهواء ما لبثت بعد ذلك أن طغت شيئا فشيئا على أسسه الصحيحة من طريق الإسرائيليات تارة، ومن طريق الشعوبية أخرى وكان من أثر ذلك أن عاد الناس شيئا فشيئا إلى تغليب المادة على الروح، والحيوانية على الإنسانية، وإلى الوقوف في دائرة الحدود التي تقف المدنية الحاضرة فيها اليوم، والتي تجر على الإنسانية شر أهوال الشقاء.