تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد بلغ الأثر في نفوس العرب أن كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب بعد منصرف النبي على الطائف يخبره أن محمدا قتل رجالا بمكة ممن كانوا يهجونه ويؤذونه، وأن من بقي من هؤلاء الشعراء قد هربوا في كل وجه، وينصح إليه أن يطير إلى النبي بالمدينة؛ فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، أو ينجو بنفسه إلى حيث شاء من أغوار الأرض. وإنما قص بجير حقا؛ فلم يقتل بمكة أحد بأمر محمد خلا أربعة، منهم شاعر آذى النبي هجاؤه، ومنهم اثنان آذوا زينب ابنته حين أرادت بإذن زوجها أن تهاجر من مكة لتلحق أباها. وأيقن كعب صدق أخيه، وإنه إن لم يأت محمدا ظل حياته طريدا مشردا؛ لذلك أسرع إلى المدينة ونزل عند صديق له قديم. فلما أصبح غدا إلى المسجد واستأمن النبي وأنشده قصيدة:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

متيم إثرها لم يفد مكبول

فعفا النبي عنه وحسن من بعد ذلك إسلامه.

قبة المسجد النبوي مع الرواقات القديمة.

جانب من داخل أحد الرواقات الحديثة بالمسجد النبوي.

إحدى المنارات الحديثة بالمسجد النبوي.

وكان من هذا الأثر كذلك أن بدأت القبائل تقبل على النبي تقدم الطاعة بين يديه: قدم وفد من طيئ وعلى رأسهم سيدهم زيد الخيل، فلما انتهوا إليه أحسن استقبالهم، وتحدث إليه زيد؛ فقال النبي له: ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل فإنه ليبلغ كل ما فيه. ودعاه «زيد الخير» بديلا من «زيد الخيل.» وأسلمت طيئ وزيد على رأسها.

وكان عدي بن حاتم الطائي نصرانيا، وكان من أشد العرب كراهية لمحمد. فلما رأى أمره وأمر المسلمين في شبه الجزيرة، تحمل في إبله بأهله وولده ولحق بأهل دينه من النصارى بالشام، وإنما فر عدي حين أوفد النبي علي بن أبي طالب ليهدم صنم طيئ، وهدم علي الصنم واحتمل الغنائم والأسرى ومن بينهم ابنة حاتم أخت عدي التي حبست في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس فيها. ومر بها النبي فقامت إليه وقالت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الرافد، فامنن علي من الله عليك. وأعرض عنها النبي حين علم أن رافدها عدي بن حاتم الفار من الله ورسوله. لكنها راجعته، وذكر هو ما كان لأبيها في الجاهلية من كرم أعلى به ذكر العرب، فأمر بتسريحها وكساها كسوة حسنة وأعطاها نفقتها وحملها مع أول ركب قاصد إلى الشام. فلما لقيت أخاها وذكرت له ما أكرمها به محمد عاد إليه فألقى بنفسه إلى صفوف المسلمين.

وكذلك جعل السادة وجعلت القبائل تفد إلى محمد ، بعد فتح مكة وبعد انتصار حنين وحصار الطائف، تدين له بالرسالة وبالإسلام، وهو في مقامه ذاك بالمدينة مطمئن إلى نصر الله وإلى شيء من سكينة الحياة.

لكن سكينة حياته لم تكن يومئذ صفوا؛ فقد كانت زينب ابنته إذ ذاك مريضة مرضا خشي منه عليها. وهي منذ آذاها الحويرث وهبار حين خروجها من مكة أذى أفزعها فأجهضها، قد ظلت مهدمة العافية، وانتهى المرض بوفاتها. وبموتها لم يبق لمحمد من عقبه إلا فاطمة، بعد أن ماتت أم كلثوم كما ماتت رقية قبل زينب، وحزن محمد لفقدها وذكر لها رقة شمائلها وجميل وفائها لزوجها أبي العاص بن الربيع حين بعثت تفتديه من أبيها وقد أسره ببدر، وتفتديه مع ما كان من إسلامها وشركه، ومع ما كان من محاربته أباها حربا لو انتصرت قريش فيها لما أبقت لمحمد على حياة. ذكر محمد رقة شمائلها وجميل وفائها، وذكر ما لاقت من ألم المرض طوال أيامها منذ عادت من مكة إلى حين وفاتها. وكان محمد يشارك كل ذي ألم في ألمه، وكل ذي مصاب في مصابه، وكان يذهب إلى أطراف المدينة وإلى ضواحيها يعود المريض، ويواسي البائس، ويأسو جراح الكليم. فإذا أصابه المقدار في ابنته بعد ما أصابه من قبل في أختيها وكما أصابه قبل رسالته في أخويها، فلا جرم أن يحزن ويشتد به جوى الحزن، وإن وجد من بر الله ورفقه به ما يعزيه كيما يسلو.

حياة محمد · الصفحة ٢٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٢٠١