تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أن هذا الذي تألف به النبي قلوب من كانوا إلى أمس أعداءه، قد جعل الأنصار يتحدث بعضهم إلى بعض فيما صنع الرسول ويقول بعضهم لبعض: «لقي والله رسول الله قومه.» ورأى سعد بن عبادة أن يبلغ النبي مقالة الأنصار ويؤيدهم فيها؛ فقال له النبي: «اجمع لي قومك في هذه الحظيرة.» فجمعهم سعد وأتاهم النبي فدار الحوار الآتي:

محمد :

يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها في أنفسكم؟! ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟

الأنصار :

بلى! الله ورسوله أمن وأفضل.

محمد :

ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟!

الأنصار :

بماذا نجيبك يا رسول الله ولرسوله المن والفضل.

محمد :

أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار في لعاعة

6

من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم! ألا ترضون يا معشر الأنصار أن تذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟! فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار. ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار.

قال النبي هذه العبارات وكله تأثر، وكله فيض من الحب لهؤلاء الذين بايعوه ونصروه واعتزوا به وأعزوه، حتى بلغ من تأثره أن بكى الأنصار وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا.

وكذلك أظهر النبي رغبة عن هذا المال الذي غنم في حنين والذي بلغ ما لم يبلغه فيء من قبل. أظهر رغبته عنه، وجعله وسيلة تتألف بها قلوب الذين كانوا، إلى أسابيع قليلة، مشركين ليروا في الدين الجديد سعادة الدنيا والآخرة. وإذا كان محمد قد عناه أمر هذا المال في قسمته حتى لقد كاد المسلمون يتهمونه، وإذا هو كان قد أغضب الأنصار بما أعطى المؤلفة قلوبهم، فإنه قد أظهر من العدل ومن بعد النظر ومن حسن السياسة ما مكنه من أن يعود بهذه الألوف من العرب وكلهم راضية نفسه، مطمئن قلبه، مستعد لأن يهب حياته في سبيل الله.

وخرج الرسول من الجعرانة معتمرا إلى مكة. فلما قضى عمرته استخلف عتاب بن أسيد على أم القرى، وخلف معه معاذ بن جبل ليفقه الناس في دينهم ويعلمهم القرآن، وعاد هو والأنصار والمهاجرون قافلين إلى المدينة ليقيم النبي بها ريثما يرزقه الله ابنه إبراهيم، وليطمئن إلى شيء من سكينة الحياة زمنا ثم يتجهز إلى غزوة تبوك بالشام.

الفصل السادس والعشرون

| إبراهيم ونساء النبي

(العودة إلى المدينة - بانت سعاد - وفاة زينب - مولد إبراهيم - غيرة نساء النبي من مارية - مظاهرة حفصة وعائشة - حديث المغافير - مارية في دار حفصة - هجرة النبي نساءه شهرا - حديث عمر مع النبي - سورة التحريم) ***

عاد محمد إلى المدينة بعد فتح مكة وبعد انتصاره في حنين وحصاره الطائف، وقد ثبت في نفوس العرب جميعا أن لم يبق لأحد قبل به في شبه الجزيرة كلها، وأن لم يبق للسان أن ينطق بإيذائه أو الطعن عليه. وعاد الأنصار والمهاجرون معه وكلهم مغتبط بفتح الله على نبيه بلد المسجد الحرام، وبما هدى أهل مكة إليه من الإسلام، وبما دان له العرب على اختلاف قبائلهم من الطاعة والإذعان. عادوا جميعا إلى المدينة ليطمئنوا إلى سكينة الحياة، بعد أن ترك محمد وراءه عتاب بن أسيد على أم القرى ومعاذ بن جبل ليفقه الناس دينهم وليعلمهم القرآن.

وقد ترك هذا النصر، الذي لم يعرف له في تاريخ العرب وفي رواياتهم نظير، أثرا بالغا في نفوس العرب جميعا: ترك أثرا في نفوس العظماء والسادة الذين كانوا لا يتوهمون مجيء يوم يدينون فيه لمحمد بطاعة، أو يرتضون دينه لأنفسهم دينا؛ وفي نفوس الشعراء الذين ينطقون بلسان هؤلاء السادة مقابل ما يلقون من عطفهم وتأييدهم، أو مقابل ما يلقون من تأييد القبائل ومؤازرتها؛ وفي نفس تلك القبائل البادية التي لم تكن تعدل بحريتها شيئا، ولا كان يدور بخاطرها أن تنضم تحت لواء غير لوائها الخاص أو تموت دون ذلك في حرب وطعان تفنى خلالها فناء تاما، وماذا يجدي على الشعراء شعرهم، وعلى السادة سيادتهم، وعلى القبائل احتفاظها بذاتيتها، أمام هذه القوة الخارقة للطبيعة، لا تقف قوة أمامها ولا يجرؤ سلطان على اعتراضها؟!

حياة محمد · الصفحة ٢٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٢٠٠