خالد :
لم أصبؤ ولكني أسلمت.
عكرمة :
والله إن كان أحق قريش ألا يتكلم بهذا الكلام لأنت.
خالد :
ولم؟
عكرمة :
لأن محمدا وضع شرف أبيك حين جرح، وقتل عمك وابن عمك ببدر. فوالله ما كنت لأسلم ولأتكلم بكلامك يا خالد. أما رأيت قريشا يريدون قتاله؟!
خالد :
هذا أمر الجاهلية وحميتها. لكني والله أسلمت حين تبين لي الحق.
وبعث خالد إلى النبي بأفراس وبعث إليه بإقراره بالإسلام وعرفانه. وبلغ إسلام خالد أبا سفيان، فبعث في طلبه وسأله: أحق ما بلغه عنه؟ ولما أجابه خالد أنه حق، غضب وقال: «واللات والعزى لو أعلم أن الذي تقول حق لبدأت بك قبل محمد.» قال خالد: «فوالله إنه لحق على رغم من رغم.» فاندفع أبو سفيان في غضبه نحوه؛ فحجزه عنه عكرمة وكان حاضرا وقال: «مهلا يا أبا سفيان فوالله لقد خفت للذي خفت أن أقول مثل ما قال خالد وأكون على دينه. أنتم تقتلون خالدا على رأي رآه وقريش كلها تبايعت عليه! والله لقد خفت ألا يحول الحول حتى يتبعه أهل مكة كلهم.» وخرج خالد من مكة إلى المدينة، فانضم إلى صفوف المسلمين.
وأسلم من بعد خالد عمرو بن العاص، وحارس الكعبة عثمان بن طلحة. وقد أسلم بإسلام هؤلاء كثير من أهل مكة واتبعوا دين الحق. وبذلك قويت شوكة الإسلام، وأصبح فتح مكة أبوابها لمحمد أمرا لا محل لريبة فيه.
الفصل الثالث والعشرون
| غزوة مؤتة
(اتجاه نظر محمد إلى الشام - توجيهه ثلاثة آلاف لغزوها - لواؤهم لزيد بن حارثة، فإن أصيب فلجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فلعبد الله بن رواحة - الروم في مائة ألف أو مائتي ألف - التقاء الجيشين بمؤتة - موت الثلاثة أصحاب اللواء على التعاقب - الراية لخالد بن الوليد - مداورته وانسحابه) ***
لم يكن محمد يستعجل فتح مكة وهو يعلم أن الزمن في صفه، كما أن عهد الحديبية لم يكن قد مضى عليه غير عام واحد، ولم يكن قد جد ما يوجب نقضه. ومحمد رجل وفاء لا ينقض كلمة قال ولا عهدا عقد. لذلك ذهب إلى المدينة فأقام بضعة أشهر لم تقع خلالها غير مناوشات صغيرة؛ كإرسال خمسين رجلا إلى بني سليم ليدعوهم إلى الإسلام وغدر بني سليم بهم وقتلهم إياهم بغيا بغير حق، حتى لم ينج رئيسهم إلا بمحض المصادفة؛ وكغزو جماعة من بني الليث والظفر بهم والغنم منهم؛ وكمعاقبة بني مرة على ما غدروا من قبل، وكإرسال خمسة عشر رجلا إلى ذات الطلح على حدود الشام يدعون إلى الإسلام دعوة كان جزاؤهم عنها القتل لم ينج منهم إلا رئيسهم. وقد كانت ناحية الشام وهذه الجهات الشمالية متجه نظر النبي منذ أمن الجنوب بعهده مع قريش وبإذعان عامل اليمن لدعوته؛ ذلك أنه كان يتوسم طريق انتشار دعوته إلى الإسلام أول مغادرتها حدود شبه الجزيرة، فيرى الشام والبلاد المجاورة هي المنفذ الأول لهذه الدعوة. لذلك لم تمض أشهر على مقامه بالمدينة بعد عوده من عمرة القضاء حتى وجه ثلاثة آلاف هم الذين قاتلوا في مؤتة مائة ألف في رواية، ومائتي ألف في رواية أخرى.
ويختلف الرواة في سبب غزوة مؤتة هذه؛ فيذهب بعضهم إلى أن قتل أصحابه في ذات الطلح كان سبب الغزو لتأديب هؤلاء الغادرين، ويذهب آخرون إلى أن النبي أرسل رسولا من رسله إلى عامل هرقل على بصرى وأن أعرابيا من غسان قتل هذا الرسول باسم هرقل، فبعث محمد بالذين قاتلوا في مؤتة لتأديب هذا العامل ومن ينصره.
وكما كان عهد الحديبية مقدمة عمرة القضاء ففتح مكة، كانت غزوة مؤتة مقدمة تبوك وما كان بعد وفاة النبي من فتح الشام. وسواء أكان السبب الذي أدى إلى غزوة مؤتة هو قتل رسول النبي إلى عامل بصرى أم قتل رجاله الخمسة عشر في ذات الطلح، فإنه عليه السلام دعا إليه، في جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة (سنة 629م)، ثلاثة آلاف من خيرة رجاله، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: «فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، وإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس.» وخرج هذا الجيش وخرج معه خالد بن الوليد متطوعا ليدل بحسن بلائه في الحرب على حسن إسلامه. وودع الناس أمراء الجيش والجيش، وسار محمد معهم حتى ظاهر المدينة، يوصيهم ألا يقتلوا النساء ولا الأطفال ولا المكفوفين ولا الصبيان، ولا يهدموا المنازل ولا يقطعوا الأشجار.