تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما أتم المسلمون الطواف بالكعبة انتقل محمد على رأسهم إلى الصفا والمروة فركب بينهما سبعا، كما كان يفعل العرب من قبل، ثم نحر الهدي عند المروة وحلق رأسه وأتم بذلك فرائض العمرة. ولما كان الغد دخل محمد إلى الكعبة وبقي بها حتى صلاة الظهر. ولقد كانت الأصنام ما تزال تعمرها. مع ذلك علا بلال سقفها وأذن في الناس لصلاة الظهر عندها. وصلى النبي يومئذ بألفين من المسلمين صلاة الإسلام عند البيت الذي كان يصد من سبع سنين عن الصلاة عنده. وأقام المسلمون بمكة ثلاثة الأيام المفروضة في عهد الحديبية، وقد خلت أم القرى من أهلها. فجلس المسلمون خلالها لا يصيبهم فيها أذى يعترضهم أحد بسوء. والمهاجرون منهم يزورون دورهم ويزيرون أصحابهم من الأنصار إياها، وكأنما هم جميعا أصحاب هذا البلد الأمين؛ وكلهم يسير سيرة الإسلام يؤدي إلى الله كل يوم صلواته فيقتل في نفسه غرورها، ويعين قويهم ضعيفهم، ويبر غنيهم فقيرهم؛ والنبي ينتقل بينهم أبا محبا محبوبا يبسم لهذا، ويمزح مع ذاك، ثم لا يقول إلا حقا. وقريش وسائر أهل مكة يطلون من منازلهم فوق السفوح على هذا المشهد الفذ في التاريخ، يرون رجالا هذه أخلاقهم، لا يشربون خمرا، ولا يأتون معصية، ولا يغريهم الطعام ولا الشراب؛ ولا تفتنهم في الحياة فتنة، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. أي أثر يترك هذا المنظر الذي سما بالإنسان إلى ما فوق أسمى مراتب الإنسان؟! من اليسير عليك أن تقدره حين تعلم أن محمدا عاد بعد ذلك بشهور ففتح مكة على رأس عشرة آلاف من المسلمين.

كانت أم الفضل، زوج العباس بن عبد المطلب عم النبي، موكلة من أختها ميمونة في تزويجها، وكانت ميمونة في السادسة والعشرين من عمرها، وكانت خالة خالد بن الوليد. وأقامت أم الفضل زوجها العباس مقامها في تزويج أختها. ولما رأت ميمونة ما رأت من أمر المسلمين في عمرة القضاء هوت إلى الإسلام نفسها، فخاطب العباس ابن أخيه في أمرها وعرض عليه أن يتزوجها. وقبل محمد وأصدقها أربعمائة درهم. وكانت ثلاثة الأيام التي نص عهد الحديبية عليها قد انقضت، لكن محمدا أراد أن يتخذ من زواجه ميمونة وسيلة لزيادة في التفاهم بينه وبين قريش.

فلما جاءه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى من قبل قريش يقولان لمحمد: «إنه انقضى أجلك فاخرج عنا.» قال لهما: «ما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه.» قال محمد ذلك وهو يعلم ما تركت عمرة القضاء في نفوس أهل مكة من أثر، كيف سحرتهم وسكنت من خصومتهم، ويعلم أنهم إن قبلوا دعوته إلى الطعام فتحدث إليهم وتحدثوا إليه فتحت مكة أمامه أبوابها طائعة. وهذا ما خشي سهيل وحويطب؛ لذلك كان جوابهما: «لا حاجة بنا إلى طعامك فاخرج عنا.» ولم يتردد محمد في النزول على رأيهما تنفيذا لعهده مع قومهما، فأذن في المسلمين بالرحيل، وخرج المسلمون من ورائه. وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة حتى أتاه بها بسرف

4

فبنى بها. وميمونة أم المؤمنين آخر أزواج النبي، عمرت بعده خمسين سنة، ثم طلبت أن تدفن حيث بنى بها رسول الله. وحمل محمد أختي ميمونة: سلمى أرملة عمه حمزة، وعمارة البكر التي لم تتزوج.

وبلغ المسلمون المدينة وأقاموا بها، محمد لا يشك في عظم ما تركت عمرة القضاء من أثر في نفوس قريش وفي نفوس أهل مكة جميعا، ولا يشك فيما سينشأ عنها من آثار سريعة خطيرة.

وصدقت الأيام تقديره؛ فإنه ما كاد يتحمل راجعا إلى المدينة حتى وقف خالد بن الوليد فارس قريش المعلم وبطل أحد يقول في جمع منها: «لقد استبان لكل ذي عقل أن محمدا ليس بساحر ولا شاعر، وأن كلامه من كلام رب العالمين. فحق على كل ذي لب أن يتبعه.» وقد فزع عكرمة بن أبي جهل لما سمع، فرد قائلا: لقد صبؤت يا خالد. ودار بينهما الحديث الآتي:

حياة محمد · الصفحة ١٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ١٨٤