نزلوا، ولكن قريشا بمكة لهم بالمرصاد، وهي تؤثر الموت على أن يدخلها محمد عليهم عنوة. فهل يعدون لقريش عدة النزال فيحاربوها حتى يحكم الله بينهم وبينها وحتى يقضي الله أمرا كان مفعولا؟! في هذا فكر بعضهم وفي احتماله فكرت قريش. لئن حدث ذلك وانتصر المسلمون لقد قضي على قريش عند العرب كلها قضاء أخيرا، وقد تعرضت قريش لأن ينزع منها سدانة الكعبة وسقاية الحاج وكل ما تفاخر به العرب من مراسم ومناسك دينية. ماذا تصنع إذن؟ وقف المعسكران يفكر كل في الخطة التي يتبع؛ فأما محمد فظل على خطته التي رسم منذ أخذ للعمرة عدته، خطة السلم والجنوح عن القتال إلا أن تهاجمه قريش أو تغدر به، وهنالك لا يبقى من انتضاء السيف مفر.
وأما قريش فترددت ثم رأت أن توفد إليه من رجالها من يتعرف قوته من ناحية، ومن يصده عن دخول مكة من ناحية أخرى. وجاءه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة يسألونه ما الذي جاء به. فلما اقتنعوا من حديثه بأنه لم يأت يريد حربا وإنما جاء زائرا للبيت معظما لحرمته، رجعوا إلى قريش يريدون إقناعهم ليخلوا بين الرجل وأصحابه وبين البيت العتيق. لكن قريشا اتهموهم وجبهوهم وصاحوا بهم: وإن كان جاء لا يريد قتالا فوالله لا يدخل علينا عنوة أبدا ولا تتحدث بذلك عنا العرب. ثم بعثت قريش رسولا لم يسمع إلا ما سمع من قبله، ولم يغامر بأن يتهم عند قريش. وكانت قريش تعتمد فيما أعدت من قتال محمد على حلفائها من الأحابيش.
7
ففكرت أن توفد سيدهم لعله إذا رأى أن محمدا لا يسمع له ولا يتفاهم وإياهم، ازداد لقريش نصرة فزادهم على محمد قوة. وخرج الحليس سيد الأحابيش قاصدا معسكر المسلمين.
فلما رآه النبي مقبلا أمر بالهدي أن تطلق أمامه، لتكون تحت نظره دليلا ماديا على أن هؤلاء الذين تريد قريش حربهم إنما جاءوا حاجين معظمين البيت، ورأى الحليس الهدي سبعين بدنة تسيل عليه من عرض الوادي قد تأكلت أوبارها؛ فتأثر لهذا المنظر وثارت في نفسه ثائرات دينية، وأيقن أن قريشا ظالمة هؤلاء الذين لا يريدون حربا ولا عدوانا. فانقلب إلى قريش دون أن يلقى محمدا وذكر لهم ما رأى. فلما سمعوا حديثه غاظهم وقالوا له: اجلس، فإنما أنت أعرابي لا علم لك. وغضب الحليس لمقالتهم وأنذرهم أنه ما حالفهم ليصد عن البيت من جاء معظما إياه. وأنهم إن لم يخلوا بين محمد وما جاء به نفر بالأحابيش من مكة. وخشيت قريش عاقبة غضبه، فاسترضوه وطلبوا إليه أن ينظرهم حتى يفكروا في أمرهم.
ثم رأوا أن يوفدوا حكيما يطمئنون إلى حكمته، فتحدثوا في ذلك إلى عروة بن مسعود الثقفي؛ فاعتذر لهم بما رأى من تعنيفهم وسوء مقابلتهم لمن سبقه من رسلهم. فلما اعتذروا له وأكدوا أنه عندهم غير متهم وأنهم يطمئنون إلى حكمته وحسن رأيه، خرج إلى محمد وذكر له أن مكة بيضته، وأنه إن يفضضها على أهله المقيمين بها بمن جمع من أوشاب الناس ثم انصرف هؤلاء الأوشاب عنه، كان العار الخالد لقريش عارا لا يرضاه محمد وإن اتصلت الحرب بينه وبين قريش ما اتصلت. فصاح أبو بكر بعروة منكرا أن ينصرف الناس عن رسول الله. وكان عروة يتناول لحية محمد وهو يكلمه، وكان المغيرة بن شعبة واقفا على رأس الرسول يضرب يد عروة كلما تناول لحية محمد، مع علمه بأن عروة هو الذي دفع عنه قبل إسلامه ثلاث عشرة دية عن قتلى كان المغيرة قتلهم. ورجع عروة بعد أن سمع من محمد مثل ما سمع الذين سبقوه من أنه لم يأت يريد حربا وإنما جاء معظما البيت مؤديا فرض ربه. فلما كان عند قريش قال لهم: «يا معشر قريش، إني جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه. لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، وإنهم لن يسلموه لشيء أبدا فروا رأيكم.»