أذن محمد في الناس بالحج، وطلب إلى القبائل من غير المسلمين الخروج معه، فأبطأ كثير من الأعراب. وخرج في أول ذي القعدة أحد الأشهر الحرم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب، يتقدمهم على ناقته القصواء، فكانت عدة الذين خرجوا ألفا وأربعمائة. وساق محمد معه الهدي سبعين بدنة؛ وأحرم بالعمرة، ليعلم الناس أنه لا يريد قتالا، وأنه إنما خرج زائرا بيت الله الحرام معظما له. فلما بلغ ذا الحليفة
3
عقص الناس الرءوس، ولبوا بالعمرة، وعزلوا الهدي ومازوا جوانبها اليمنى ومن بينها بعير أبي جهل الذي أخذوا ببدر، ولم يحمل أحد من هذا الحاج سلاحا إلا ما يحمل المسافر من سيف مغمد. وكانت أم سلمة زوج النبي معه في هذه الرحلة.
وبلغ قريشا أمر محمد ومن معه وأنهم يسيرون قبلهم حاجين؛ فامتلأت نفس قريش بالمخاوف وجعلوا يقلبون هذا الأمر على وجوهه، يحسبونه حيلة أراد محمد أن يحتال بها على دخول مكة بعد أن صدهم والأحزاب معهم عن دخول المدينة، ولم يثنهم ما عملوا من إحرام خصومهم بالعمرة وإذاعتهم في أنحاء الجزيرة كلها أنهم لا تحركهم إلا العاطفة الدينية لقضاء فرض يقره العرب جميعا، عن أن يقرروا الحيلولة بين محمد ودخول مكة، بالغا ما بلغ الثمن الذي يدفعونه لتنفيذ قرارهم هذا. لذلك عقدوا لخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل على جيش يبلغ عدد فرسانه وحدهم مائتين، وتقدم هذا الجيش حتى يحول بين محمد وأم القرى، وبلغ من تقدمه أن عسكر بذي طوى.
أما محمد فتابع مسيرته، حتى إذا كان بعسفان
4
لقيه رجل من بني كعب سأله النبي عما قد يكون لديه من أخبار قريش، فكان جوابه: «قد سمعت بمسيرك فخرجوا، وقد لبسوا جلود النمور ونزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا. وهذا خالد بن الوليد في خيلهم وقد قدموها إلى كراع الغميم.»
5
قال محمد: «يا ويح قريش! لقد أهلكتهم الحرب. ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن يفعلوا قاتلوا وبهم قوة! فما تظن قريش؟! فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة.»
6
ثم وقف يفكر ماذا عساه يصنع. إنه لم يخرج من المدينة غازيا، وإنما خرج محرما يريد بيت الله يؤدي عنده إلى الله فرضه. وهو لم يتخذ للحرب عدتها؛ فلعله إن حارب فلم ينتصر جعلت قريش من ذلك موضع فخارها، بل لعلها إنما أوفدت ابن الوليد وعكرمة قصد إدراك هذه البغية حين علمت أنه لم يخرج مقاتلا.
وبينما كان محمد يفكر كانت فرسان مكة تبدو على مرمى النظر، يدل مرآها على أنه لا سبيل للمسلمين إلى درك غايتها إلا أن يقتحموا هذه الصفوف اقتحاما، وأن تدور معركة تقف فيها قريش مدافعة عن كرامتها وعن شرفها وعن وطنها؛ معركة لم يردها محمد، وإنما حملته قريش عليها حملا وألزمته خوض غمارها إلزاما. إن المسلمين ممن معه لا تنقصهم الحمية، وقد تكفيهم سيوفهم إذا جردت من غمودها لدفع عدوان المعتدي؛ لكنه يفوت بذلك قصده وقد يجعل لقريش عند العرب حجة عليه، وهو أبعد من هذا نظرا وأكثر حنكة وأدق سياسة. إذن ... نادى في الناس قائلا من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟
وكذلك ظل مستقرا رأيه على سلوك سياسة السلم التي رسم منذ خرج من المدينة ومنذ اعتزم الذهاب إلى مكة حاجا. وخرج رجل يسلك بهم طريقا وعرا بين شعاب مضنية وجد المسلمون في سلوكها مشقة أي مشقة، حتى أفضت بهم إلى سهل عند منقطع الوادي الذي سلكوا فيه ذات اليمين حتى خرجوا على ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة. فلما رأت خيل قريش ما صنع محمد وأصحابه ركضوا راجعين أدراجهم ليقفوا مدافعين عن مكة إذا دهمها المسلمون. ولما بلغ المسلمون الحديبية بركت القصواء «ناقة النبي» وظن المسلمون أنها جهدت. فقال رسول الله: «إنما حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها.» ثم دعا الناس إلى النزول فقالوا: «يا رسول الله، ما بالوادي ماء ننزل عليه.» فأخرج هو سهما من كنانته فأعطاه رجلا نزل به إلى بئر من الآبار المنثورة في تلك الأنحاء، فعرزه في الرمال من قاع البئر فجاش الماء، فاطمأن الناس ونزلوا.