قد يكون هذا التوفيق ما يزال بعيدا. لكن طلائع القضاء على هذه الوثنية التي تتحكم في عالمنا الحاضر، وتوجه الحضارة الحاكمة فيه، واضحة لكل من تتبع سيرة العالم وأحداثه. فلعل هذه الطلائع تتواتر وتقوى دلالتها إذا انجلت أمام العلم تلك المسائل الروحية بالتخصص لدراسة حياة محمد النبي وتعاليمه وعصره والثورة الروحية التي انتشرت في العالم أثرا من آثاره. وإذا أتاحت الدراسة العلمية والدراسة الذاتية لقوى الإنسانية الكمينة مزيدا من اتصال بني الإنسان بحقيقة الكون العليا، كان ذلك الحجر الأول في أساس الحضارة الجديدة.
وهذا الكتاب ليس إلا محاولة بدائية في هذه السبيل كما قدمت. وبحسبي أن يقنع هذا الكتاب الناس بما فيه، وأن يقنع العلماء والباحثين بضرورة الانقطاع والتخصص لبلوغ الغاية من بحث موضوعه. ولو أنه أثمر أيا من هذين الأثرين أو كليهما، لكان ذلك أكبر جزاء أرجو عن المجهود الذي بذلت فيه. والله يجزي المحسنين.
محمد حسين هيكل
| تقديم الطبعة الثانية
نفدت طبعة هذا الكتاب الأولى بأسرع من كل ما قدر لها. فقد صدر منها عشرة آلاف نسخة نفد ثلثها بالاشتراك في الكتاب أثناء طبعه. ونفد سائرها خلال ثلاثة أشهر من صدوره، ولقد دل الإقبال على اقتناء هذا الكتاب على عناية القراء بالبحث الذي يحتويه؛ لذلك لم يكن بد من التفكير في إعادة طبعه، وفي إعادة النظر فيه.
ملاحظة على الكتاب
وموضوع الكتاب هو السبب الأول في الإقبال عليه لا ريب. ولعل الطريقة التي عولج الموضوع بها كانت ذات أثر في الإقبال عليه كذلك. وأيا كان السبب فقد سألت نفسي حين فكرت في أمر الطبعة الثانية: أفأعيدها صورة من الطبعة الأولى لا أزيد فيها ولا أنقص منها، أم أرجع إليها بالتنقيح والزيادة والتصحيح فيما تتضح لي ضرورة تصحيحه أو تنقيحه أو الزيادة عليه؟ أشار علي بعض من أقدر مشورتهم أن أجعل الطبعة الثانية صورة من الطبعة الأولى كيما تتحقق المساواة بين الذين يقتنون أيا من الطبعتين، ولكي يتسع لي زمن المراجعة والتنقيح فيما بعد هذه الطبعة الثانية. وكدت آخذ بهذا الرأي. ولو أنني فعلت لكانت هذه الطبعة في أيدي القراء منذ أشهر. غير أني ترددت في الأخذ بهذه المشورة، ثم انتهيت إلى ضرورة التنقيح والزيادة لاعتبارات شتى. وكان أول هذه الاعتبارات بعض ملاحظات تفضل الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي بإبدائها لي حين أطلعته على ما تم طبعه من الكتاب قبل ظهور طبعته الأولى فتفضل بوضع التعريف الذي صدرت الكتاب به، فلما ظهر الكتاب تفضل بعض الكتاب والعلماء بالتنويه به في الصحف والمجلات وعن طريق الإذاعة، وأبدوا ما عن لهم من الملاحظات عليه. وقد أبديت هذه الملاحظات جميعا بعد الثناء الجم على مجهود بذلته لست أحسبه جديرا بكل هذا التقدير، وأبديت حرصا على ألا تشوب كتابا عن النبي العربي هنة من الهنات ما دام مؤلفه قد وفق في وضعه توفيقا أرضاهم ونال تقديرهم؛ لذلك لم يكن بد من أن أعير هذه الملاحظات ما هي جديرة به من عظيم العناية.
ولعل هذا الرضا والتقدير هما اللذان جعلا طائفة من هذه الملاحظات ترد على مسائل كمالية لا تتصل بجوهر الكتاب ولا بما ورد من الروايات فيه. فمنها ما يرجو أصحابه إيضاح بعض أمور رأوها في حاجة إلى الإيضاح. ومنها ما يرمي إلى مزيد من التدقيق في استعمال حروف الجر، أو إلى اقتراح بعض ألفاظ بدل أخرى يعتقد الذين اقترحوها أنها أدق تعبيرا عن المعنى المقصود، على أن طائفة من الملاحظات انصبت على بعض مباحث الكتاب فدفعتني إلى مزيد من التفكير والمراجعة.
ولشد ما أحرص على أن تكون هذه الطبعة الثانية أدنى إلى إرضاء هؤلاء العلماء جميعا، وإن كنت لا أرى في البحث كله، كما ذكرت في تقديم الكتاب، إلا أنه بداءة بحث في موضوعه باللغة العربية وضع على الطريقة العلمية الحديثة.