تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكتاب بداءة البحث

لست مع ذلك أحسبني أوفيت على الغاية من البحث في حياة محمد. بل لعلي أكون أدنى إلى الحق إذا ذكرت أني بدأت هذا البحث في العربية على الطريقة العلمية الحديثة، وأن ما بذلت في هذه السبيل من مجهود لا يخرج هذا الكتاب عن أنه بداءة البحث من ناحية علمية إسلامية في هذا الموضوع الجليل. وإذا كان جماعة من العلماء والمؤرخين قد انقطعوا لبحث عصر من العصور، كما انقطع أولار في فرنسا لبحث عصر الثورة الفرنسية، وكما انقطع غيره من العلماء لبحث عصر أو عصور معينة من التاريخ في مختلف الأمم، فحياة محمد جديرة بأن ينقطع لبحثها على طريقة علمية جامعية أكثر من أستاذ يتخصص فيها ويتوفر عليها. وليس يساورني شك في أن الانقطاع والبحث العلمي، في هذه الفترة القصيرة من حياة بلاد العرب واتصالها بحياة الأمم المختلفة في ذلك العصر، تؤتي نتائجه العالم كله، لا الإسلام والمسلمين وحدهم، خير الثمرات. فهي تجلو أمام العلم كثيرا من المسائل النفسية والروحية فضلا عما تفيض عليه من ضياء في نواحي الحياة الاجتماعية والخلقية والتشريعية لا يزال العلم يتردد أمامها متأثرا بهذا النزاع الديني بين الإسلام والنصرانية، وبهذه المحاولات العقيمة التي يقصد منها إلى «تغريب» الشرقيين أو تنصير المسلمين، مما ثبت على الأجيال إخفاقه واستحالته وسوء أثره في علاقات أجزاء الإنسانية المختلفة بعضها ببعض.

فائدة البحث إنسانية عامة

وأذهب إلى أبعد مما تقدم فأقول: إن هذا البحث جدير بأن يهدي الإنسانية طريقها إلى الحضارة الجديدة التي تتلمسها. وإذا كانت نصرانية الغرب تستكبر أن تجد النور الجديد في الإسلام ورسوله وتشيم هذا النور في ثيوزوفية الهند وفي مختلف مذاهب الشرق الأقصى فإن رجال هذا الشرق من المسلمين واليهود والنصارى جميعا خليقون أن يقوموا بهذه البحوث الجليلة بالنزاهة والإنصاف اللذين يكفلان وحدهما الوصول إلى الحق. فالتفكير الإسلامي - على أنه تفكير علمي الأساس على الطريقة الحديثة في صلة الإنسان بالحياة المحيطة به، وهو من هذه الناحية واقعي بحت - ينقلب تفكيرا ذاتيا حين يتصل الأمر بعلاقة الإنسان بالكون وخالق الكون، ويبدع لذلك في النواحي النفسية والنواحي الروحية آثارا يقف العلم بوسائله حائرا أمامها، لا يستطيع أن يثبتها ولا أن ينفيها، وهو لا يعتبرها حقائق علمية، ثم هي تظل مع ذلك قوام سعادة الإنسان في الحياة ومقومة سلوكه فيها. فما الحياة؟ وما صلة الإنسان بهذا الكون؟ وما حرصه على الحياة؟ وما هي العقائد المشتركة التي تبعث في الجماعات القوة المعنوية التي تضمحل بضعف هذه العقائد المشتركة؟ وما الوجود؟ وما وحدة الوجود؟ وما مكان الإنسان من الوجود ووحدته؟

هذه مسائل خضعت للمنطق التجريدي ووجدت منه أدبا مترامي الأطراف. لكنك تجد حلها في حياة محمد وتعاليمه أدنى لتبليغ الناس سعادتهم من هذا المنطق التجريدي الذي أفنى فيه المسلمون قرونا منذ العهد العباسي، وأفنى فيه الغربيون ثلاثة قرون منذ القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر مما انتهى بالغرب إلى العلم الحديث على نحو ما انتهى بالمسلمين فيما مضى، ثم وقف العلم في الماضي كما أنه مهدد اليوم بالوقوف دون إسعاد الإنسانية. ولا سبيل إلى درك هذه السعادة إلى العود إلى حسن إدراك هذه الصلة الذاتية بالوجود وخالق الوجود في وحدته التي لا تتغير سننها ولا يعتبر للزمان أو المكان فيها إلا وجود نسبي لحياتنا القصيرة. وحياة محمد هي لا ريب خير مثل لدراسة هذه الصلة الذاتية دراسة علمية لمن أراد، ودراسة عملية لمن تؤهله مواهبه أن يحاول هذا الاتصال في مراتب أولية لبعد ما بينه وبين الصلة الإلهية التي أفاء الله على رسوله. وأكبر ظني أن هاتين الدراستين خليقتان، يوم يتاح لهما التوفيق، أن تنقذا عالمنا الحاضر من وثنية تورط فيها على اختلاف عقائده الدينية أو العلمية، وثنية جعلت المال وحده معبودا، وسخرت كل ما في الوجود من علم وفن وخلق ومواهب لعبادته والتسبيح بحمده.

حياة محمد · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ١٥