تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في مصر، في أوائل أغسطس عام 1952 تظهر جريدة الأهرام وفيها مقال لطه حسين عن الثورة تقرؤه جماعات مختلفة، في الجامعة، وعلى مقهى من المقاهي، وفي القرية، وغير ذلك من الأماكن.

طه حسين يقول في مقاله إن ما تم في يوليو 1952 كان ثورة ولم يكن انقلابا ولا حركة مباركة أو غير ذلك، إنه يؤمن أن الجيش قد استجاب للمطالب الحقيقية للشعب في الخلاص من حكم الفرد وفي العمل لإنهاء الاحتلال.

ويقرأ طالب في الجامعة هذه الفقرات من المقال: «وأخص ما تمتاز به الثورة الأصيلة الخصبة أنها تفكر بالأمس لتمحو سيئاته، وتفكر في اليوم لتصلح شئونه، وتفكر في الغد لتبني فيه مستقبل الشعب على أساس صالح متين.» «وتفكيرها في الماضي يهيئ لها طريق العظة والاعتبار، وتفكيرها في الحاضر يمهد لها طريق العمل والإنتاج، وتفكيرها في الغد هو الذي يحقق لها الإنتاج الخصب ويقيم الدليل على أنها لم تكن شيئا طارئا، أثارته الشهوة ودفع إلى الهوى، ولم تكن سطحية جاءت اليوم لتذهب غدا كما تجيء الأحداث العارضة وتذهب، وإنما كانت صدى صادقا مخلصا لصيحة صدرت من أعماق نفس الشعب وضميره، وكانت مظهرا لتفكير عميق، عكف عليه قوم أولو حزم وعزم، يعرفون مصادرهم ومواردهم، ويحققون في نفوسهم ما يريدون، لا يأتون شيئا إلا عن إرادة وروية وأناة، ولا يدعون شيئا كذلك إلا عن إرادة وروية وأناة.» «وما أشك في أن ثورتنا هذه القائمة هي ثورة أصيلة، لا يكفيها أن تسقط حكومة وأن ينفى ملك، وإنما سقوط الحكومة ونفي الملك عندها وسيلة لإصلاح أعمق وأكمل وأشمل.» •••

وفي مديرية المنيا يقرأ بعض المتعلمين مقالا آخر لطه حسين في جريدة الأهرام أيضا: ... إن ثورتنا إذن صادقة، تصور طموح الشعب إلى الحياة الكريمة النقية، وأمل الشعب في المستقبل الكريم المجيد، وهي من أجل ذلك ثورة إصلاح شامل عميق بأدق معاني هذه الكلمات، وهناك نواح مختلفة لهذا الإصلاح الشامل العميق: ناحية الإصلاح السياسي، ولست أعرض لها الآن.

وناحية الإصلاح الاجتماعي، الذي يمس نظام الشعب في حياته اليومية، ليجعل فقر الفقير محتملا، ومرض المريض يمكن علاجه، حتى يأتي اليوم الذي يعصم فيه الشعب من التعرض للفقر والمرض، ولست أعرض لهذه الناحية لأن غيري أجدر بالحديث عنها مني.

وهناك ناحية الإصلاح التعليمي، الذي يحقق للشعب كرامته، ويحقق له شعوره بواجباته، وشعوره بحقوقه بعد ذلك.

وما أعرف شيئا يجب على الثورة أن تأخذه بالحزم والعزم والقوة والجد كشئون التعليم، فكل إصلاح اجتماعي أو سياسي في شعب جاهل لا قيمة له، ولا بقاء.

وما أظن أن مصريا - بعد الثورة - يحب أن يصلح غذاء الشعب وصحته دون تعليم، كما يصلح أصحاب القطعان غذاء قطعانهم وصحتها، وإنما المصريون يريدون أن يصلحوا غذاء الشعب وصحته. على أنه شعب من الناس الذين يعقلون ويشعرون ويعرفون أنفسهم ويريدون أن يعرفهم غيرهم من الناس.

والسبيل إلى ذلك كله واحدة ليس لها ثانية، وهي التعليم قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء، التعليم الذي يجعل المصري إنسانا يحتال للفقر حتى يخرج منه، ويحتال للعلة حتى يبرأ منها، ويتحدث إلى الناس فيفهمون عنه، ويتحدث إليه الناس فيفهم عنهم، وينهاه المصلحون عن الشر فينتهي، ويدعوه المصلحون إلى الخير فيجيب. •••

وتمتلئ غرفة مكتب العميد في منزله بعدد من الأساتذة الشبان والطلبة والصحفيين وضابط، يتحدثون عن هذا المقال الأخير وعما جاء فيه من نواحي الإصلاح الثلاث التي أشار إليها.

أستاذ شاب يسأل طه حسين عن أسباب ركود الفكر في مصر.

ويقول طه حسين: «الأسباب واضحة، هناك الظروف السياسية، بما في ذلك الرقابة التي استمرت خمسة عشر عاما، إن الحرية هي قوام الحياة الأدبية الخصبة ... إذا ذهبت أجدب الأدب وعقم الفكر.»

ما بعد الأيام · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٩٢