تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1 •••

وفي الصباح التالي يجلس طه حسين مع زوجته في غرفتهما بالفندق يتناولان طعام الإفطار.

تقول سوزان: «خذ قطعة من التوست وإلا فإني لن أقرأ لك ما نشر عنك في الجرائد الإيطالية في هذا الصباح.»

ويقول طه: «هل تعرفين أني أهتم؟»

وتقول سوزان: «يجب أن تهتم، عندما أردت أن تعود إلى مصر بعد الثورة مباشرة تتذكر أنني عارضت وقلت لك إن خطابك في اليونسكو سيكون أول خطاب دولي لمصر الجديدة، التي ستكون قد بلغت الشهر الثاني من عمرها يوم إلقائك الخطاب.»

ويقول طه: «اقرئي إذن.»

وتقول سوزان: «خذ التوست.»

ويأخذ طه حسين قطعة الخبز.

وتقول سوزان: المقال للسنيور فراري، وقد جاء فيه:

يعقد الآن مؤتمر اليونسكو دورته في مدينة البندقية، ومقرر اللجنة الأدبية هو الكاتب المصري طه حسين، ملهم الثورة الاجتماعية والاقتصادية القائمة في مصر.

ويقول طه حسين: «أستغفر الله!»

وتقول سوزان وهي تتابع القراءة: «وطه حسين عضو في الأكاديمية الإيطالية بروما، وعضو مراسل لأكاديمية الآداب الرفيعة في باريس، والمهمة ...»

ويقول طه حسين ضاحكا: «مصيبتهم سودة ... نسوا مجمع اللغة العربية في مصر، لطفي باشا لن يغفر لهم هذا ...»

وتستمر سوزان في القراءة فتقول: «والمهمة الخطيرة التي عهد بها إليه في المؤتمر الدولي المنعقد الآن في البندقية توطد دعائم صيته الذائع في أرجاء العالم.»

ويقول طه: «كفاية ...» وتتجاهل سوزان طلبه فتقول: «جريدة ثانية تقتبس جزءا من خطابك، الجزء الذي قلت فيه: «كل كاتب وكل فنان لا يستطيع الإبداع إلا بالإخلاص والصدق، شأنه شأن بطل الشاعر دانتي الذي كان يحمل المصباح معلقا إلى ظهره لينير الطريق للذين يتبعونه.» ثم تقول: «والجريدة الأخرى.» ولكنها تتوقف وتقول: «لا ... لا بد أن تأكل التوست قبل أن أقرأها لك.»

ويقول طه: «حاضر.» ويأكل التوست!

وتقول سوزان: «الجريدة الأخرى فيها عنوان رئيسي «مانشيت» أفرحني بالنيابة عنك وعن مصر كلها، إن «المانشيت» هو: هونيجر، وهنري مور، وطه حسين، ورو، يدافعون عن كرامة الفنان.»

وتمر فترة صمت ثم تقول سوزان: «هل تسمع؟ من بين المئات من أدباء القارات الخمس التي تحضر مؤتمر اليونسكو في البندقية الآن تلمع أربعة أسماء وترتفع إلى «المانشيت»، من هذه الأسماء الأربعة اسم أحد الكتاب العرب، اسم طه حسين، مندوب مصر، مندوب مصر الجديدة، ألا تسمع؟»

ويقول طه: «سمعت، ولكني كنت أفكر في شيء آخر، كنت أفكر في أول مرة سمعنا فيها موسيقى هونيجر.»

وتقول سوزان في رقة: «نعم، في إقليم سافوا، في سنة 1926، أذكر ذلك، كان هونيجر قد كتب مقطوعته «جوديت»، وكنت قد أحضرت أسطوانتها لك؛ لأنك ...»

ويقول طه: «لأنها كانت سنة 1926، وكانت الأصوات التي أسمعها في مصر لا تطربني، وكنت مضطرا إلى الصمت، كنت ... كنت مثل «هيلين كيلر» لا أستطيع الكلام، كنت مضطرا ألا أتكلم، خوفا على الجامعة التي كان يراد لها أن تخنق في المهد، كنت مثل هيلين كيلر لا أتكلم، ولكني كنت أسمع.»

وتقول سوزان: «على ذكر هيلين كيلر، هل تعرف أنها صرحت بعد مقابلتك بأن يوم مقابلتها لطه حسين كان أجمل يوم من أيام حياتها؟»

ويقول طه: «وأنا كتبت لها قصيدة وأرسلتها إليها.»

وتقول سوزان: «لم تخبرني.»

ويرد طه: «كانت كلمة شكر في الحقيقة. الآن سنعود إلى مصر الجديدة، والأصوات التي سنسمعها في مصر ستبعث فينا النشاط وتملأ نفوسنا رضا إن شاء الله، وسنتكلم، سنتكلم الآن بصراحة وبوضوح، سنتكلم لأن هذا هو واجب كل رجل من رجال الفكر، ولأن قادة مصر الجديدة سيرحبون، فيما أرجو، بآراء المفكرين، ويطلبون، فيما أرجو، سماعها في صراحة ووضوح وباستمرار، لن يصدهم الحكم عن سماع أصوات المفكرين.» ثم يسأل - في شيء من الشك - بعد لحظة صمت: «أم ترى سوف يصدهم الحكم يوما عن سماع أصوات المفكرين؟» •••

ما بعد الأيام · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٩١